لكل مكان ذاكرة وذكرى.. وذاكرة السوريين تحتفي اليوم بخير جليس.. أبعاد لا متناهية لحالة جمالية فكرية ثقافية وثقت بالبصر والبصيرة تاريخ وجغرافيا ونتاج معرفي لآلاف السنين.
في الندوة الفكرية التي أقيمت حول المخطوطات أهميتها, تصنيفها, أنواعها, ووسائل حفظها كان الحضور تواقا لمعرفة أسرار تلك الخزائن التي تحرص أدراج مكتبة الأسد الوطنية أن تبقي على حرفها ولونها وشكلها وهوية صناعها على مدى مئات بل آلاف السنين, هي المخطوطات التي تعتبر ذاكرة الأمة تكشف ما كانت عليه من تقدم في مختلف حقول المعرفة لأنها الوعاء الذي حفظ لنا نتاجات الفكر العربي.
مدير عام مكتبة الأسد الوطنية إياد مرشد الذي أدار الندوة وأنجزها ضمن الزمن المخصص لها بين أن المخطوطات العربية هي موضوع قومي متعلق بعلوم الأمة العربية إبان نهضتها, فهي تعبر عن ثقافة مجتمع, ودورنا نحن كأبناء أن نكشف الغطاء عن كنوز أجدادنا العلماء الذين قضوا عمرهم في العلم والتحصيل, واتوا بنفائس وكنوز بقيت ارثا لنا, مبينا أن الكتابة كانت وسيلة متواضعة لنقل عصارة فكرهم وعظيم جهدهم, ولعل الهدف من دراسة هذا التراث الخالد هو فهم وظيفته الاجتماعية, وما يحتويه من معطيات حضارية تزود الاجيال بزاد وفير من المعارف بما يساهم في التقدم والرقي.
المخطوط.. كل ما كتب
أمينة الحسن مدير المخطوطات والكتب النادرة أشارت في عرضها إلى أن المخطوط هو كل ما كتب بخط اليد قبل نشأة الطباعة سواء كتب على ورق البردى أو غيره من رق الغزال أو ورق الحرير أو جلود العطل والماعز أو الورق العادي, حيث كان العلماء يبذلون جهدا كبيرا لاقتناء الكتب المهمة وكان للوراقين دور كبير في توفيرها لهم عن طريق البحث عنها أو نسخ منها.وكانوا أيضا يهتمون بالمخطوطات التي كتبها مؤلفها أو عليها خطه أو قرأت عليه, أو أن تكون طالعها بعض العلماء وقوبلت على نسخ مهمة, كما أن بعض النسخ تستمد قيمتها من كونها قد كتبها بخطه عالم شهير.
وعرفت الحسن بشكل مفصل انواع النسخ ومنها النسخ الخزائنية وهي التي كتبت لملك أو سلطان, وغالبا ما تكون مجودة الخط ومذهبة, والنسخة الفريدة التي لا يوجد منها إلا نسخة في العالم, ضاعت اخواتها فبقيت فريدة مثال (مختصر العين) للخليل بن احمد الفراهيدي. وهناك النسخة القيمة بسبب كونها بخط مؤلفها.والنسخة النادرة والتي لا يوجد منها إلا بضع نسخ, أو تتميز بصور وزخارف.
أشكالها
ومن أشكال المخطوطات الطومار وهو لفافة كبيرة الحجم, غالبا تكون شجرة نسب, أو وقفية منورة بأختام كثيرة. ايضا الكناش وهو كلمة سريانية وأصلها كوناش, قد يتضمن موضوعات متعددة, وشكله أشبه بكراس الرسم.
كما استعرضت الحسن شيئا من علم الاكتناه الذي يعنى بخوارج النص وهو كل ما ليس له بمتن النص, لافتة إلى العديد من التفاصيل التخصصية بكل تسمية في علم المخطوطات مبينة القيمة التاريخية للنسخ الخطية التي تتجلى بالسماعات والوقفيات والقراءات بحيث يجب أن تتوافر في كاتب السماع الأهلية والتحري والدقة.
الحفظ خطوة أولى للحماية
وحول صيانة المخطوطات وحفظها وتعقيمها وكل ما يتخللها من عرض مراحل عمل الترميم والتجليد, قدمت الاستاذة نعمت سري مدير المطبعة والترميم والتصوير والتجليد بمكتبة الأسد الوطنية عرضا شيقا حول اسس حفظ المخطوطات إذ يعد الحفظ هو الخطوة الأولى لحماية أي شيء سواء أكان جديدا أم قديما, حيث تؤمن الظروف الجيدة بإطالة عمره وبقائه سليما معافى أطول مدة ممكنة.
وأوضحت كيف ان الاوائل تنبهوا في مراحل متقدمة الى مشكلة تضرر المخطوطات وتلفها خاصة من جهة الحشرات وذلك من خلال انتشار الثقوب والقطوع بين الصفحات وعلى الهوامش ما يؤدي إلى ضياع النص وتشويه كامل المخطوط, ما حدا بهم للتفكير بعدة طرق لمقاومتها منها:تبخير المخطوطات بأعضاء الهدهد وريشه فإنه يقتل الأرضة وهذه الطريقة وردت في باب طرد الأرضة عن الكتب, استعمال نوع من أنواع المداد يحتوي على تركيبات كيماوية وله قدرة على طرد الأرضة عن المخطوط, وذكرت الاستاذة سري في طرق الحفظ هو استعمال كلمة «ياكبيكح» أو ما يشابهها من حيث الرسم والشكل من النسّاخ في اول المخطوط وآخره منوهة أن كلمة كبيكح ترد في الوقت نفسه على أنها نوع من أنواع النبات وإن ذكر هذه الكلمة يحفظ المخطوط من الأرضة.
ولتوفير حماية المخطوطات ايضا يتطلب توفير مستودعات ذات مواصفات معينة بجدران سميكة ورفوف معدنية توضع فيها بشكل عمودي ويراعى التسلسل الرقمي.مع توافر درجة حرارة مناسبة وهي مابين ١٦-١٨ درجة مئوية, اما الرطوبة فبين (٥٥-٦٠%.).
وأضافت سري أنه حفاظا على سلامة المخطوطات من التداول وحمايتها قام العاملون في مديرية الترميم والتصوير بتصويرها جميعا على مسارات فيلمية وفقرات مدمجة يمكن للباحثين والمهتمين الاطلاع عليها في غرف معدة لذلك ومزودة بأجهزة قوارىء.
فيما الترميم هو عملية تكنولوجية دقيقة ذات عرف خاص موحد عالميا, ويشمل كثيراً من التفاصيل.
اما بالنسبة لتجليد المخطوطات فقد بدأ المجلدون منذ القديم بتجليد المخطوطات لحفظ الصفحات من الضياع والتلف, مقلدين طريقة التجليد الحبشية والقبطية باستعمال لوحين من الخشب تجمع بينهما الصفحات المكتوبه..
تصنيف المخطوطات
وفيما يخص فهرسة وتصنيف المخطوطات والصعوبات التي قد يعاني منها المفهرس والمصنف وحساب الجمل بينت الاستاذة هبة المالح الخبيرة في قسم الفهرسة والتصنيف ان العمل بفهرسة المخطوطات ليس عملا آليا صرفا يقوم به من يشاء بل هو هواية وشغف وتعلق, والفهرسة هي مفتاح المفهرس الذي يلج إلى محتويات الخزائن وكنوزها الثمينة, فكتب التراث بلا فهارس كنوز بلا مفاتيح.
وأشارت المالح إن اول مايواجه المفهرس من مشكلات هو الاضطراب في ترتيب اوراق بعض المخطوطات, ولابد للمفهرس من إصلاح ترتيب اوراقها بالاستعانة بالتعقيبة والتصفيح, والتعقيبة هنا هي إثبات الكلمة الأولى من الصفحة اليسرى التالية في ذيل الصفحة اليمنى.
ومن الصعوبات الأخرى التي تواجه المفهرس هو قراءة الخطوط الرديئة المستعجلة قليلة الإعجام, وبالتالي ينبغي على المفهرس أن يكون على دراية بقراءة أنواع الخطوط كالكوفي والمغربي والأندلسي والفارسي, وعليه الاستعانة بذوي الخبرة.
كما ينبغي للمفهرس أن يهتم بتصنيف المخطوطات اهتماما كبيرا, كي لا يقع فريسة الخلط بين موضوع وآخر.. مؤكدة أن دور التصحيف والتحريف في نقل النصوص هما آفة للمفهرس والمحقق, والتصحيف هنا هو الخطأ في نقط حروف الكلمة او في شكل حركاتها, والتحريف فهو خطأ في هيئة الحروف, أو زيادة في الكلام الأصلي.
هناك كثير من النقاط الهامة التي اثارتها الندوة وحرضت العديد على الأسئلة من الحضور الذي غصت به قاعة المحاضرة. بعد أن شهد المعرض الكثير من نماذج المخطوطات النادرة.
غصون سليمان
التاريخ: الجمعة 10-8-2018
رقم العدد: 16758