لما كان منهج الحوار قد وضع أصلاً في مواجهة الصراع، فإن انتفاء القوة يعني إمكانية إيجاد وضع مريح لازدهار هذا الحوار. وإذا سلمنا جدلاً بمنطق الحوار والذي لا يقوم إلا على أساس سلمي، هذا يعني انتفاء وجود القوة فيه، فبهذا تكون مهمة الحوار إجلاء أي سوء تفاهم أو إشكال على أساس منهجي عقلاني. واحترام كل طرف للطرف الاّخر.
إلى هنا سلمنا بوجود حوار متكافئ بين طرفين يبديان رغبة بالحوار وحسن نية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الاّن.. لطالما أن اللغة هي أداة الحوار وكما يقول نيتشه: “اللغة مرتع تناحر القوى، وميدان مفعولات السلطة وعشق الاختلاف، ومجال علائق القوة، فأن تطلق الأسماء هو أن تكون سيداً”. استراتيجية التسمية هي استراتيجية هيمنة وتسلط وتاريخ الأشياء هو تاريخ مسميات، وهو بالتالي تاريخ أسماء، وتاريخ الأسماء هو تتابع القوى المستحوذة التي تعطي المعاني وتحدد القيم، ذلك أن اسم الشيء ومعناه هو القوة التي تستحوذ عليه وتتملكه، فالكلمات “هي كميات من القوة في علاقة توتر، ولا يمكن للحوار الذي يوظفها وسيستثمرها إلا أن يجسد علائق القوة ومرامي الهيمنة”.
على هذا فإن الحوار هو صراع مقنع لتعيين من يحدد المعاني ويطرح ويعرّف المفاهيم ويعيّن الحقائق، بمعنى اّخر إنه حرب على مستوى الكلمة، وأكبر مثال على ذلك هو الندوات والحوارات التي عقدت من أجل إعطاء تعريف محدد للإرهاب، وكلها لم تتوصل لتحديد مفهوم الإرهاب وبقي المعنى كل يحدده كما يريد وكما يرى..
وعلى هذا فنحن نقر بوجود طرفين للصراع، ولكن أحدهما وهو الأقوى يتبنى اّليات أيديولوجية تدّعي التفوق والاستعلاء وتعتبر الاّخر ممارساً للعنف، وبالتالي فهذه الممارسة للعنف تهدد المجتمعات كلها.
ولكني أرى أن هذا الفصل بين الأطراف هو فصل لا معنى له طالما أننا نحيا في عالم بلا حدود، وقد انفتح كلياً على الاّخر وغدا الاختلاف غائباً.. يقول كونديرا: “تعمل وسائل الإعلام في خدمة توحيد تاريخ الكرة الأرضية، فهي تضخم وتوجه عملية التقليص، إنها توزع في العالم كله نفس التبسيطات والصيغ الجاهزة التي يمكن أن يقبلها أكبر عدد، أن تقبلها مجموع البشرية. يكفي أن تضع الأسبوعيات السياسية الأمريكية والأوروبية سواء أسبوعيات اليسار أو اليمين، من التايم الى شبيجل: فهي تملك جميعاً ذات الرؤية عن الحياة، رؤية تنعكس من خلال السلّم الذي تنتظم المواد المنشورة فيها بموجبه، في ذات الأبواب، في ذات الصيغ الصحفية، ذات المفردات، ذات الأذواق الفنية، هذه الروح المشتركة هي روح عصرنا”.
هي حياتنا وقد أصبحنا نتغذى الغذاء نفسه ونرى الصورة نفسها، ونشاهد الإنتاجات العالمية من أفلام… إلخ فننفعل الانفعال نفسه، لقد أصبحنا نظهر بمظهر واحد وذوقنا واحد، فكلنا تم تنميطنا فكيف سينجح منطق الحوار بيننا، حيث انتهت ثقافتنا أمام هذا المدّ الجديد من ثقافة التقليد الوافدة والتي بتنا نتقبلها بكل سعة صدر.. فكيف سيتم الحوار والأكثرية بات تنميطها عادياً حيث امتزجت قناعاتنا الماضية بالحاضرة والسائدة، فكيف ستنجح الحوارات العالمية وقد رغب الطرف الأقوى حضوراً إلا أن تسود مفاهيمه ورؤيته للعالم أجمع بالرغم من قضايانا الكبيرة؟!
أخيراً قال أحدهم: “إن غياب العدو الأيديولوجي كشف تناقضات النظام العالمي الراهن، إن ما تحاول أن تقدمه أمريكا والغرب للعالم غير الغربي لم يحقق الاستقرار والسلام العالمي، بل زاد الحروب والتناقضات، وبعد هذا وكله يقولون الحوار.
هنادة الحصري