صناعة المستقبل

لا يمكن الحديث عن أي تغيير في ثقافة مجتمع وسلوكه دون الاشارة الى الدور الاساسي والمحوري الذي تلعبه المنظومة التربوية في ذلك بوصفها المجال الطبيعي والمغذي الاساسي لتنشئة الاجيال وصناعتها عقلياً ووجدانياً وما يتفرع عن ذلك من منظومة قيم وسلوك وانتماء وصولاً الى فلسفة الحياة والكون .
إن النظام التربوي بعناصره العقلية والوجدانية وجملة الاهداف التي يسعى لتحقيقها سواء على الصعيد الفردي كطريقة تفكير وبنية ذهنية وعقلية أو لجهة بناء الشخصية الوطنية المنتمية لارض وتاريخ وشعب وفضاء انساني هو القادر على بناء وصياغة وصناعة حاضر ومستقبل مشرق للامم والشعوب هذا في الظروف الطبيعية، أما في ظروف الحروب والازمات والكوارث الوطنية فتصبح المهمة أكثر الحاحاً الى درجة أنها تشكل تحدياً حقيقياً يفرض نفسه على المجتمع ككل وفي مقدمة ذلك المؤسسات الوطنية المعنية والنخب الفكرية والعلمية والتربوية بوصفها العقل الوطني القادر على طرح الافكار وصياغة الاستراتيجيات الوطنية وانجاز الابحاث والسياسات المتعلقة بإعادة البناء بشقية المادي والمعنوي .
أن لكل حرب ولاسيما اذا كانت مركبة الاهداف والنتائج كالتي تعرضت لها سورية وشعبها ومؤسساتها وكياناتها وهويتها وما نتج عنها من آثار تصل الى درجة الكارثة الوطنية بفعل التدمير الممنهج الذي تعرضت له من قوى كبرى وتنظيمات ضالعة في كل اشكال الارهاب فإن مثل هكذا حرب وعدوان استمر لثماني سنوات ويستمر بأشكال مختلفة، وعلى الرغم من هزيمته على الصعيد العسكري والسياسي بفضل الصمود والتضحيات التي بذلت وعدم تمكينه من تحقيق اهداف سعى اليها تتمثل في اسقاط الدولة الوطنية وتقسيمها أو تقاسمها وانقسامها مجتمعياً، إلا انه استطاع ان يحقق اهدافاً اخرى منها احداث تدمير هائل على الصعيد المادي والمؤسساتي بفعل استهداف مؤسسات الجيش ومرافق الدولة الاقتصادية والتربوية والصحية والعمرانية، اضافة الى الاستيلاء على مصادر الثروة الاساسية الرافد الاساسي لموارد الدولة وموازنتها متمثلة بمصادر الطاقة من حقول بترول وغاز وانتاج زراعي وصناعي، اضافة الى سرقة المعامل والمصانع وقطع خطوط النقل والاتصال بين الحواضر السورية ما حرم الخزينة السورية من معظم مواردها ومغذياتها، وما لذلك من انعكاس سلبي كبير على الدور الوظيفي للدولة بشقيه الخدمي والاجتماعي .
إن الانتصار في الحروب أو الخروج والانتهاء منها او اقتراب ذلك لا يعني ان تعود الامور الى ما كانت عليه بشكل تلقائي فلابد من مسافة زمنية للوصول الى ذلك، وهذا يتوقف على تحقيق وتوافر العديد من العناصر والاشتراطات والظروف منها استعادة موارد الدولة الاساسية التي تمكنها من امتلاك الامكانيات القادرة على تمويل مشاريع اعادة بناء المؤسسات الخدمية كأولوية تفرض نفسها كي تستعيد المرافق العامة التربوية والصحية والبنية التحتية نشاطها والسعي الحثيث لاعادة دورة الانتاج الزراعي والصناعي ومصادر الثروة الاساسية، ما يمكنها معاودة ضخ ناتجها كمغذ للاقتصاد الوطني وتحقيق زيادة ووفرة في المداخيل تنعكس بشكل اساسي على الوضع المعاشي للمواطنين وتساهم في اعادة الاستقرار للوضع المالي وتوقف تذبذات السوق ومحاولات التلاعب بها من تجار الازمات صنو تجار الحروب وهذا كله يستوجب على التوازي استثماراً أمثل للطاقات والامكانات والموارد البشرية والمادية، وهذه مسؤولية مركبة للحكومة ومؤسساتها بدءاً من أصغر وحدة ادارية وصولاً للوزارة مع تفاعل خلاق من المواطن الذي هو الفاعل والمتفاعل مع مؤسسات الدولة وأجهزتها، المتقيد بأنظمتها وقوانينها وما يستلزمه ذلك من متقابلة الحقوق والواجبات .
إن كل ما جرت الاشارة اليه يدخل الى حد كبير في اطار الراهن وربما الاسعافي ويبرز الاستراتيجي في هذا المجال مرتبطاً بالتربوي والتعليمي وضرورة صياغة المنظومة التربوية والتعليمية لاعادة بناء مجتمع ما بعد الأزمة ولاسيما أن لها آثارها على البنية الوطنية بكل مكوناتها لجهة كونها جرت في جغرافية داخلية تقاتل في جانب منها السوري مع السوري تحت عناوين كثيرة، ما يعني الاعتراف ببعد وأطراف وأسباب داخلية للأزمة، وهذا لا يلغي حقيقة انها مؤامرة كبرى على سورية والمنطقة بشكل عام تندرج في إطار مشاريع هيمنة قوى دولية على المشهد الدولي في اطار لعبة الأمم والصراع والتنافس على مناطق النفوذ وفي القلب منها المنطقة العربية بما تحتويه من ثروات وأهمية جيواستراتيجية في المسرح الدولي .
إن صياغة استراتيجية تربوية وتعليمية وثقافية وطنية مديدة تأخذ في الاعتبار جملة ما اصاب المجتمع السوري من تصدع وأذية خلال الأزمة وتسعى لتجاوز نقاط الضعف في اطار صناعة الجيل بالنظر لما سبق والتركيز على البناء الوطني ومسآلة الانتماء والهوية السياسية والمعرفية والتركيز على الصورة الحضارية لسورية وتاريخها وانتمائها وفكرتها الانسانية وفضائها القومي والانساني هو ضرورة ملحة في ظل هذا الاستيقاظ اللافت للدعوات التجزيئية والتشكيكية لفكرة الانتماء الوطني والقومي والتي تصب بالنتيجة في مصلحة مشروع تقسيم المنطقة واقتسامها إعمالاً لمقولة الفوضى الخلاقة سواء كان ذلك بحسن نية أو سوئها من بعض مطلقيها على بعض منابر الثقافة والاعلام كردة فعل على ما جرى في سورية من عدوان شاركت فيه انظمة عربية لا تعبر حتماً عن ارادة مواطنيها بقدر ما هي صدى واداة لقوى اجنبية ناصبتنا العداء طيلة فترات التاريخ وهذا ما تستحضره ذاكراتنا الوطنية والقومية ومخيلتنا الاجتماعية بوصفنا أبناء أمة عريقة .
إن بناء مستقبل واعد وصولا لمجتمع رفاه يتوقف على صناعة جيل علمي عقلاني منتم متحرر من كل أشكال التخلف والتبعية، معتز بتاريخه ودوره فيه متحلل من كل العقد والامراض، يجيد قاموس الحاضر ويتمكن من أدواته المعرفية يوطن العقل المنتج لا استيراد المنتج ينظر الى ما يجري في العالم نظرة اختيار لا انبهار فاعل على الصعيد العالمي لا مفعول به أو مجرور يحتل مساحة في الخريطة السياسية والمعرفية ورقماً صعباً لا يمكن لاي قوة اسقاطه من حساباتها .
د.خلف علي المفتاح
khalaf.almuftah@gmail.com
التاريخ: الأثنين 4-2-2019
رقم العدد : 16901

آخر الأخبار
تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري