صلاة تشرنوبل.. أرض الموتى

 ملحق ثقافي..نص: سفيتلانا ألكسييفيتش/ ترجمة: د. ثائر زين الدين:

1-مونولوج : لماذا يتذكرُ الناسُ.
«لدي سؤال أيضاً، لا أستطيع الإجابة عنه بنفسي…
لكنك تستعد للكتابة عن ذلك؟ إلا أنني لا أريد أن تعرفوا عنّي ذلك. ما عانيته هناك… من جهة لدي رغبة في الانفتاح، وقول ما عندي، لكن من جهة أخرى – أشعر، بأنني أتعرّى، وهذا ما لا أريده.
تذكرون بيير بيز أوخوف عند تولستوي؟ كيف كان مصدوماً بعد الحرب، لدرجة، هُيّئ له فيها أن العالم كلّه تغيّر وإلى الأبد. لكن بعد مرور بعض الوقت لاحظ على نفسه، بأنه أخذ يشتم السائق من جديد، ويتذمّر كذلك، كما في السابق. فلماذا إذاً يتذكرُ الناسُ؟ لاستعادة الحقيقة؟ العدالة؟ التحرر والنسيان؟ كي يدركوا، بأنّهم – مشاركون في الحدث الضخم؟ أو يبحثون عن الحماية في الماضي؟ وهذا بالرغم من أن الذكريات شيءٌ هشّ، سريع الزوال، إنّها ليست معرفة دقيقة، بل حدس الإنسان عن نفسه، وهذه ليست المعرفة، إنّها أحاسيس فحسب.
شعوري… لقد عانيتُ، فتّشتُ في الذاكرة وتذكرت…
ما هو أكثر رعباً حدث في طفولتي… إنه– الحرب.
أتذكَّر كيف كنا، نحن الأطفال، نلعب لعبة «بابا وماما»: نزعنا ثياب الصغار ووضعنا أحدهم فوق الآخر… هؤلاء كانوا أوّل الأطفال، الذين وُلدوا بعد الحرب. القرية كلّها، كانت تعرف ما هي الكلمات التي يتحدثونها، ومتى بدؤوا المشي، لأنهم وبسبب الحرب كانوا قد نسوا الأطفال. لقد انتظرنا ظهور الحياة في «بابا و ماما» – هكذا كانت تسمّى اللعبة. أردنا أن نرى ظهور الحياة؛ وكنا يومها نحن أنفسنا ما بين الثامنة والتاسعة من أعمارنا.
وشاهدت ذات يوم كيف قتلت امرأةٌ نفسها، بين الشجيرات عند النهر. أمسكت قطعة قرميد وضربت رأسها. لقد كانت حاملاً من شرطي تكرههُ القرية بأكملها. وعندما كنت طفلاً شاهدت أيضاً كيف تُولدُ القطط الصغيرة، وساعدت أمي بسحب العجل من جوف البقرة، أخذت الخنزيرة التي نملكها إلى المزرعة لتلقيحها من خنزير. أتذكر… أتذكر كيف أحضروا والدي المقتول، كان في كنزةٍ حاكتها له أمي بنفسها، تم إطلاق النار على والدي، على ما يبدو، من مدفع رشّاش أو من بندقيّة آليّة وخرجت من الكنزة قطعٌ مدمّاةٌ. لقد استلقى على سريرنا الوحيد، حيث لم يكن من مكان آخر يوضع عليه. ثم دفنوه أمام البيت. تحت الحوض المعد لزراعة الشوندر، الأرض ليست ناعمة، بل طين قاس. المعارك حولنا في كل مكان… انتشرت جثث الناس والخيول في الشوارع.
تلك الذكريات ممنوعة بالنسبة إلي، لدرجة أنني لم أتكلم عنها بصوت عال.
كنت حينها أتقبل الموت، تماماً كما أتقبل الولادة. كان شعوري نفسه، عندما ظهر العجل من البقرة، وعندما وُلدت القطط الصغيرة. وعندما قتلتِ المرأة نفسَها بين الشجيرات كذلك. لسبب ما هُيّأ لي أنهما الأمر نفسه، متكافئان؛ الولادة والموت.
أتذكر منذ الطفولة كيف كانت رائحة البيت، عندما يذبحون الخنزير؛ يكفي أن تلمسوني فحسب حتى أسقط، أسقط هناك. في كابوس… في رعب… وأطير.
أتذكر كذلك، كيف اصطحبتنا النسوةُ معهن، عندما كنّا صغاراً، إلى الحمّام. هبطت الأرحامُ عند النساء جميعهنّ بما فيهنّ والدتي (كنّا ندرك ذلك)، وقد ربطنَها بقطعٍ قماشية. رأيت ذلك… خرجت الأرحامُ بسبب العمل الشاق. لم يكن هناك رجال، لقد قتلوهم على الجبهة، وفي حرب العصابات، ما من خيول أيضاً، لذلك كانت النساء تجرّ المحاريث؛ حرثن حدائقهن، وأراضي الكولخوز. عندما كبرت، وعاشرت امرأة، تذكرت ما كنت شاهدته في الحمام…
أردت أن أنسى كلَّ شيء ونسيت. فكرتُ أن ما هو أكثر إثارة للخوف قد أصبحَ ورائي… وهو – الحرب، وأنني محميّ، أنني الآن محميّ. محميّ بمعرفتي، وبما هو هناك في الماضي، ما عشته حينها… لكن…
سافرتُ إلى منطقة تشرنوبل، زرتها مرّات كثيرة، وأدركت هناك بأنني ضعيف. لم أفهم. وكنتُ أنهارُ بسبب ضعفي، ولأنني لم أتمكن من التعرّف إلى العالم، العالم الذي تغيّر فيه كل شيء. حتى أن الشرّ هناك مختلف. الماضي لم يعد يحميني، ولا يهدئني، لا أجوبة فيه… من قبل كانت دائماً موجودة، أما اليوم فهي غير موجودة. يحطِّمني المستقبلُ، وليس الماضي. ( يفكّر)
لماذا يتذكّرُ الناس؟ هذا هو سؤالي… لكنني تحدّثت إليكم، أفشيتُ شيئاً ما بالكلمات، وفهمت شيئاً ما. لم أعد وحيداً الآن إلى تلك الدرجة. لكن كيف هو الأمرُ عند الآخرين؟».
بيوتر س. طبيب نفسي.

2-مونولوج : يمكن التحدث إلى الأحياء، وإلى الموتى كذلك.
« ليلاً دخل ذئبٌ إلى الفناء. نظرتُ من النافذة – يقف ويضيء بعينيه. مصابيح أماميّة…
اعتدتُ كل شيء. سبع سنوات أعيش وحيدةً، منذ أن غادرت الناس. يحصل أن أجلس ليلاً حتى الفجر، وأفكّر، أفكر. واليوم جلست طوال الليل على السرير كالخطّاف، ثم خرجت أنظر، يا لتلك الشمس الساطعة. ماذا أقول لكم؟ الموت هو الأمرُ الأكثر عدالة في هذا الكون. لم يفتدِ أحدٌ نفسَه حتى الآن. الأرض تستقبل الجميع: الطيبين، والشرّيرين، والمذنبين. ما من عدالةٍ فوقَ ذلك في هذا الكون. لقد عملت طوال حياتي بكدٍ ونزاهة. عشت بشرف. لكن العدالة لم تنزل عليّ. قسّم الله عطاءه في مكان ما حتى إذا ما وصلَ إليَّ لم يبقَ في جعبته شيء. الشاب يمكن أن يموت، والعجوز يجب أن يموت… لا أحد خالد – لا القيصر، ولا التاجر… في البداية انتظرتُ الناس، وفكرت – الجميع سيعودون. لم يغادر أحدٌ للأبد، لقد غادروا لبعض الوقت. والآن أنتظر الموت… ليس صعباً أن أموت، بل مخيف. لا توجد كنيسة، والخوري لا يأتي. لا يوجد أحد أحمل إليهِ ذنوبي…
قالوا لنا أوّل مرّة عندنا إشعاعات، ففكرنا هكذا: إنّه مرض ما، من يصبه – يمت مباشرة. قالوا لا، إنّها شيء يتوضّع على الأرض ثم يغوصُ فيها، لكن لا يمكن مشاهدته. الوحش يمكنه أن يراه ويسمعُه، أما الإنسان فلا. لكن ذلك ليس صحيحاً! أنا شاهدت هذا السيزيوم متناثراً في الحديقة، قبل أن يغسله المطر. لونه أزرق، يتوضَّع وينسكب أو يتفتتُ قطعاً. أتيت مسرعة من أرض الكولخوز ودخلت إلى حديقة المنزل، فوجدت قطعة زرقاء، وبعد مائتي متر قطعة أخرى، رُقعتُها بمقدار رقعة المنديل الذي أرتديه على رأسي. صحت بالجارة، والنساء الأخريات، وأخذنا نبحثُ في حدائق المنازل كلّها، وفي الأرض من حولنا، في مساحة حوالي هكتارين وجدنا أربعَ قطع كبيرة، إحدى هذه القطع لونها أحمر… هطل المطر في اليوم التالي منذ الصباح، وعند الظهيرة لم يعد لها وجود. حضرت الشرطة، لكن لم يعد هناك شيء لمشاهدته. لقد حدثناهم فقط؛ قطع بهذا الحجم… ( أشّرَت بيديها) مثل منديلي. زرق وحمر.
لم نخف كثيراً من هذه الإشعاعات؛ لو أننا لم نشاهدها، لم نعرفها، كان يمكن أن نخافها، لكن عندما رأيناها، لم تعد مخيفة إلى تلك الدرجة. وضعت الشرطة والجنود لوحاتٍ بجانب بيت أحدهم أحياناً، وأحياناً في الشارع – كتبوا عليها: 70 كيوري، 60 كيوري… عشنا طوال حياتنا على البطاطا، والبصل الذي نزرعه، وهنا قالوا – ممنوع! لا يسمحُ بزراعة البصل، ولا بزراعة الجزر. مصيبة للبعض، وشيء مضحك للبعض الآخر. نصحونا أن نرتدي الكمامات الطبية، والقفازات المطاطية أثناء العمل في الحديقة، وأن ندفن الرماد الناتج من الموقد. دفن. أو – و – و. وقدم حينها أيضاً أحد العلماء الكبار فألقى محاضرة في النادي، وقال يجب غسل الحطب. يا للأعجوبة! احمرّت أذناي! أمرونا بغسل الشراشف والستائر… هذه الأشياء إذاً في المنزل وفي الصناديق والخزائن. أيّ إشعاعات تلك التي داخل المنزل؟ وخلف الزجاج؟ خلف الباب؟ أعجوبة! أبحث عن الإشعاعات في الغابة، وفي الأراضي من حولنا، أقفلنا على الآبار بالمفتاح، وغطينا الفتحات بقطعٍ من البلاستيك. والماء… «وسخ»… كيف هو وسخ! إنه نظيف جداً، جداً! ثرثروا بمقدار كيسٍ محشوٍّ. أنتم ستموتون جميعاً. يجب عليكم الرحيل، إخلاء المنطقة.
خاف الناس، تملّكهم الرعب. اقترح عددٌ منهم دفن ممتلكاتهم ليلاً. أمّا أنا فقد وضَبتُ ثيابي وشهادات التقدير الحمراء لقاء عملي النزيه، والنقود، التي احتفظت بها ليومي الأسود. يا للحزن! يا له من حزن ثقيل على القلب! أتمنى الموت بمقدار ما أقول لكم الحقيقة! وهنا سمعت بأن الجنود أخلوا السكان من إحدى القرى، لكن بقي فيها جد عجوز وامرأته. أخذا البقرة وذهبا إلى الغابة، قبل أن يوقظ العسكرُ الناسَ ويسوقونهم إلى الباصات. انتظرا هناك، كما كان الأمر في الحرب؛ عندما أحرق المطهّرون القرية. من أين تأتي المصيبة؟ (تبكي). حياتنا هشّة؛ سأكون مسرورة إن لم أبك، لكن الدموع هي التي تسيل…
أو! أنظر في النافذة: غربان العقعق وصلت، أنا لا أطردها، ولو أنّ هذه الغربان تسرقُ أحياناً البيض من الحظيرة. مع ذلك لا أطردها. لقد حلّت المصيبة علينا جميعاً الآن. لا أطرد أحداً! وبالأمس أتى ثعلب أيضاً…
آه لو أن الناس في كل قرية. هناك غير بعيد عني تعيشُ امرأة، في قرية أخرى، قلت لها أن تأتي إليّ؛ قد تساعد، وقد لا تساعد، لكن لأتحدث إلى شخصٍ ما، أناديه. ليلاً يؤلمني جسدي كلّه. رجلاي ترتعشان، وكأن النمل يدبُّ فوقهما، إنّه العصب داخلهما. أمسك الحبوب بيدي… وأدلكهما، أدلكهما. يهدأ العصب حينها. ما كسبته طوال حياتي، كان كافياً بالنسبة إلي. لم أحتجْ شيئاً، ولا أرغب بشيء. ولو متُّ، لكنتُ قد ارتحت. كيفما كان وضع الروح هناك، لكن الجسد سيكونُ مرتاحاً. ولدي بنات وصبيان… جميعهم في المدينة. أمّا أنا فلا أريد ترك هذا المكان! مدَّ الله في عمري، لكنه لم يعطني حصّتي. أعرف أن العجوز يكون ضجراً متعجّلاً، الأطفال يتحملون، يتحملون وينزعجون. الأطفال يمنحونك السعادة طالما هم صغار. نساؤنا اللواتي غادرن إلى المدينة، يبكين جميعهّن. منهنّ من تُزعجها زوجة الابن، ومنهن الابنة. يردن العودة. صاحب بيتي هنا؛ يرقد في المقبرة لو لم يكن راقداً هنا، لعاش في مكان آخر، وأنا معه. ( يبدو السرور عليها فجأة). إلى أين أرحل؟ هنا المكان جيّد! كل شيء ينبت، كل شيء يزهر. ابتداءً من الذباب حتى الوحوش، كلّها تعيش.
سأتذكر لكم كل ما حدث… تطير الطائرات وتطير. كلّ يوم. على مستوى منخفض – منخفض فوق رؤوسنا. يطرنَ إلى المفاعل. إلى المحطة؛ واحدة تلو الأخرى. وعندنا – إخلاء. إعادة توطين. اقتحام للمنازل. أقفلَ الناس على أنفسهم، اختبئوا. يخورُ القطيعُ، ويبكي الأطفالُ. إنّها الحرب! أما الشمس فتضيء، وأنا أجلسُ ولا أخرج من البيت. قرع الجنود الباب وقالوا: «ربّة المنزل، هل جمعت حاجياتك؟». أسألهم: «هل ستربطون يدي ورجلي عنوة؟». صمتوا، وصمتوا، ثم غادروا. أطفال! صغار، صغار. النساء يزحفن على ركبهن أمام منازلهنّ، ويتوسّلن… الجنود يمسكون بيدي واحدة، ثم أخرى – ويوصلونهنّ إلى السيارة. أمّا أنا فقد هددتُهم، الذي سيلمسني، ويظهر قوّته، سيتلقى ضربة بعصا البلياردو. شتمتُ! شتمتُ بقوّة! لم أبكِ. ولم تسل الدموع ذلك اليوم.
أجلس في البيت. وأسمع صراخاً. صراخ! ثم يحلّ الهدوء. هدأ كل شيء. أنا في ذلك اليوم؛ في اليوم الأول لم أخرجْ من البيت.
حدّثوني: لقد مرّ طابور من الناس، ومرّ طابور من القطعان. إنّها الحرب!
كان ربّ منزلي يحب القول بأن الإنسان يطلق الرصاص، والله يحضرُ له الطلقات. لكلّ واحد مصيره! بعضُ الشباب الذين غادروا فارق الحياة، هناك في المكان الجديد. أمّا أنا فأتنقّل – وعصا البلياردو في يدي. أتعكز. وعندما ينتابني الملل، أبكي. القرية فارغة، لكن الطيور هنا بأنواعها؛ تطير، والأيّل يتنقل.. المهم هناك أحدٌ ما ( تبكي).
أذكر كل شيء… غادرَ الناسُ، أما القطط والكلاب فقد تركوها وراءهم. تجوّلتُ في الأيام الأولى، وسكبتُ الحليب للجميع، ومنحتُ قطعة خبز لكل كلب. وقفت الكلابُ في أفنية بيوتها تنتظر أصحابها. انتظرت الناسَ طويلاً. القطط الجائعة أكلت الخيار، وأكلت البندورة… كنت حتى الخريف أقصّ العشب أمام بوابة جارتي. سقط السياجُ، فثبّتُهُ لها. انتظرتُ الناسَ… عاش عند جارتي تلك كلبٌ اسمه جوتشوك. قلت له: «أرجوك يا جوتشوك- إذا التقيت الناس قبلي- نادني».
أحلمُ ليلاً أنني أنزح… يصيحُ الضابط: «يا ربّة المنزل، قريباً سنحرق كل شيء وندفنه. اخرجي!». ويأخذونني باتجاه ما، إلى مكان غير معروف، غير مفهوم. إنه ليس مدينة، ولا قرية، وليس أرضاً…
حصلت قصّة معي: كان لديّ قط اسمهُ فاسكا. تعرضت لهجوم الجرذان الجائعة شتاء، ما من منقذ. دخلت تحت اللحاف. الحبوب في البرميل الخشبي – قضمتِ الجرذانُ الخشبَ صانعةً ثغرة. فإذا بـ فاسكا ينقذ الموقف… لولاه كنت في عداد الأموات، تحدّثنا أحدنا للآخر، وتناولنا طعام الغداء، وحينها اختفى فاسكا.. ربما هاجمتهُ الكلابُ الجائعة وأكلته؟ كانت تتجوّل متضورة جوعاً، حتى ماتت، والقطط كانت جائعة وأكلت الصغار منها، في الصيف لم تأكل، أما في الشتاء.. يا إلهي سامحنا! لقد قرضت الجرذان امرأة هنا… في بيتها. جرذان شقراء، صحيح أم لا؛ هكذا يتحدّثون. يتجوّل هنا مشرّدون. كان الخير وافراً في الأعوام الأولى: القمصان، والكنزات، والمعاطف الجلدية. اجمَعْ وانقلْ إلى سوق الأشياء المستعملة. وعندما يشربون ويثملون، يأخذون بالغناء، ويشتمون. أحدهم سقط عن الدراجة الهوائية ونام في الشارع، وجدوا في الصباح عظمتين والدراجة. صحيح أم غير صحيح؟ لا أعلم هكذا يتحدّثون..
يعيش هنا كلّ شيء. نعم كل المخلوقات! تعيش السحلية، والضفدع ينق، والدود يزحف. والفئران موجودة! كل ما يخطر بالبال! الربيع بخاصّة جميل هنا، وأنا أحب لحظة يزهر الليلك. حيث تفوح منه رائحة الكرز. عندما كانت رجلاي قويتين، كنت أذهب بنفسي لإحضار الخبز، المسافة باتجاه واحد فقط خمسة عشر كيلومتراً. لو كنت فتية لقطعت هذه المسافة ركضاً. اعتدتُ الأمر. كنّا نذهب بعد الحرب لإحضار البذور من أوكرانيا، لمسافة ثلاثين وخمسين كيلومتراً. كان يحمل كلّ منهم بوداً واحداً(1). أمّا أنا فكنت أحمل ثلاثة منها. والآن أحياناً لا أستطيع أن أتنقّل داخل القرية. للعجوز الصيف باردٌ قرب الفرن(2). يأتي رجال الشرطة إلى هنا، للاطلاع على وضع القرية، يحضرون لي الخبز معهم. هل يحضرون للتفتيش فقط؟ أعيش أنا مع القط. إنّه قط آخر عندي. وعندما يصلون يطلقون إشارتهم، نفرح نحن الاثنين. نسرع نحوهم. يحضرون له العظام. ويسألونني: «هل تعرّض قطاع الطرق لنا؟». – «على ماذا سيحصّلون منّي؟ وماذا سيأخذون؟ روحي؟ ليس لديّ سوى الروح». إنّهم فتيان جيدون. يضحكون. أحضروا بطاريات للمذياع، وأنا الآن أستمع إليه. أحب لودميلا زيكين(3)، لكن لسبب ما نادراً ما تغنّي الآن. على ما يبدو إنّها تقدمت في السن مثلي. ربّ منزلي كان يحب الأمثال، لقد قال: انتهت حفلة الرقص.. – الكمنجاتُ.. في حقائبها.
سأحدثكم كيف وجدتُ القط. لقد فقدت قطّي فاسكا، وانتظرته يوماً، واثنين… وشهراً، لكن دون جدوى، بقيتُ وحيدة. لا يمكنني التحدث إلى أحد. بحثتُ في القرية، ناديتُ في الحدائق الأخرى: فاسكا، فاسكا! في البداية كان الكثير من القطط يجول في القرية، لكنها اختفت فيما بعد؛ قضي عليها. الموت لا يفرّق، الأرض تستقبل الجميع. تجوّلت، وتجولت. بحثت عنه يومين متتالين، وفي اليوم الثالث – يجلس تحت المتجر… نظرنا أحدنا إلى الآخر، لقد فرح بي، وأنا كذلك فرحت به. لم يتفوّه بكلمة «هيا، لنذهب، – أرجوك، فلنذهب إلى البيت». بقي مقعيّاً: مياو… وأنا ألححت عليه: «ما ستفعل وحيداً هنا؟ ستأكلك الذئاب. ستقطِّعك. عندي بيض وشحم خنزير». كيف أوضّحُ له؟ إنّه لا يفهم اللغة الإنسانية، فكيف فهمني عندها؟ مشيت أمامه، وهو ركض خلفي. مياو «سأقطّع لك شحم الخنزير»… مياو… سنعيش سوّية نحن الاثنين»… مياو… «سأسمّيك فاسكا»… مياو… وهكذا قضينا سويّة شتاءين متتاليين.
حلمتُ ليلاً أن شخصاً ينادي، إنّه صوت جارتي: «زينا!» ثم تصمت، مرّة أخرى: «زينا!».
أشعر بالوحشة، سأبكي…
أمرّ على القبور. ماما ترقد هناك، ابنتي الصغيرة؛ احترقت أثناء الحرب بسبب مرض التيفوئيد. ما أن وصلنا بها إلى المدفن، ودفنّاها حتى خرجت الشمس من بين الغيوم، وأضاءت – أضاءت. لو أنك تعودين. تخرجين من القبر. ربُّ بيتي هناك، فيديا… أجلسُ بالقرب من الجميع. أتنهّد. التحدّثُ ممكن إلى الأحياء وإلى الأموات أيضاً. لا يوجد فرق عندي. وأنا أسمع هؤلاء وأولئك. عندما تكونين وحيدة وعند الحزن… والحزن الشديد…

 

عاش إلى جانب هذه المقابر المعلّم إيفان بروخوروفيتش غافريلينكو، لقد سافر إلى ولده في جزيرة القرم. خلفه –بيوتر إيفانوفيتش ميوسكي؛ سائق الجرّار الاستاخانوفي(4)، ذات يوم انخرط الجميع في تلك الحركة، إنه صاحب يدين ذهبيتين. نَجّرَ من الشجر عروةً خشبيةً. بيتُهُ– أجمل بيت في القرية؛ إنّه خصلة من الخيوط! آه كم أحسستُ بالشفقة، وصعد الدم إلى رأسي، عندما هدموه، ودفنوه. صاح الضابط حينها: «لا تحزني أيتها الأم، البيت مصدر إشعاعات». أمّا هو فقد كان ثملاً. اقتربت منه ؛ إنه يبكي: «أنت، أيتها الأم، اذهبي من هنا! اذهبي!». طردني. وهناك بعد هذا البيت، بيت ميشا ميخايلوف، كان يوقد تحت الغلايات في المزرعة. لقد مات ميشا بسرعة. غادر ومات مباشرة. خلفه بيتُ مربّي الدواجن ستيبانبيخوف… لقد احترق! أحرقه أناس شرّيرون ليلاً. أناس غرباء. وستيبان لم يعش طويلاً أيضاً؛ دُفن في ضواحي مدينة موغيليوفوم، حيث يعيش أبناؤه. الحرب الثانية… كم من الناس فقدنا! لقد فقدنا كوفاليوف فاسيلي ماكاروفيتش، وآنّا كوتسوروفا، ومكسيم نيكيفورينكو… كانت البهجة في يومٍ من الأيام تغمر حياتنا. كنّا في الأعياد – نُغنّي ونرقص. ونعزف على الأوكرديون. أمّا الآن، أعيش كما في السجن. أحيانا يحدثُ أن أسير في القرية مغمضة العينين… أقول لهم، أين الإشعاعات هنا، في الوقت الذي تطير فيه الفراشات، والنحل يطنّ. وقطّي فاسكا يصطاد الفئران. (تبكي).
وأنت عزيزتي لوبوتشكا، هل فهمت حزني؟ انقليه إلى الناس، قد لا أكون ساعتها على قيد الحياة. سيجدونني في الأرض… تحت الجذور…».
زينايدا يفدوكيموفنا كوفالينكا
أحد الذين رفضوا الإخلاء
….
هوامش:
-بود – وحدة وزن تعادل 16،38 كغ.
2- مثل شعبي روسي، كناية عن صعوبة الحياة و كثرة الأمراض مع التقدم في العمر.
– 3مطربة قديمة مشهورة.
4-نسبة إلى ستاخانوفا.إ. عامل منجم وأوّل من أنجز عملاً يفوق كثيراً الخطة المقررة. ثم نشأت حركة من المتطوعين نسبت لاسمه، والتي عدّها الإعلام السوفيتي حينها كمرحلة جديدة من المبارايات الاشتراكية.

التاريخ 4-6-2019

رقم العدد:16993

 

آخر الأخبار
تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري