الاحتراق الوظيفي..وآثـاره علـى الأفـراد..

للعمل أثر كبير على حياة الفرد الذي يساعده على تلبية رغباته في الحياة اليومية وحتى المستقبلية,لذا نجده يتمتع بسعادة عندما يلتحق بعمل جديد يؤمن له حاجاته كافة أو بعضها سواء أكانت النفسية أم الجسدية أو المادية، ما يشكل لديه دافعا لإثبات الذات، فتراه يعطي لعمله في أوقات عديدة أكثر مما يأخذ متناسيا حاجاته الخاصة لصالح عمله,بيد أن مرور الزمن وأحيانا تعرضه لمعاناة أو مشكلات صحية أو نفسية تزداد قسوة عندما يصطدم بدوافع سلبية من قبل زملائه في العمل أو من رؤسائه وليصل به الأمر إلى التفكير والتساؤل عما إذا كان نهجه في إنجاز العمل يستحق كل تلك العواقب أم أن هذا الإجهاد في العمل الذي سلبه القدرة على الاهتمام بالذات ذهب سدى.
فغالبا ما يبدأ بفقد ضبط انفعالاته واعتماد سلوكيات غير مرغوبة أو يتحول لشخص سلبي عديم الرضا,كما وتتهدد قدرته على اتخاذ قرارات سليمة وصولا لانخفاض ثقته بالعمل وحتى التخلي عنه نهائيا /بالاستقالة/ تلك الأمور والإشارات التي كنا عايشناها أو سمعناها أو لاحظناها للعديد من الأشخاص الذين عايشناهم، تشير إلى أن ذلك الشخص قد وصل لما يسمى مرحلة الاحتراق الوظيفي أو ما يسميها البعض «متلازمة الإنهاك المهني» التي كان موضوع لقائنا في جامعة دمشق كلية التربية مع الدكتورة نهى عطايا الأستاذة في قسم علم النفس والتي أشارت إلى أن موضوع الاحتراق الوظيفي قد أخذ حيزا من الدراسات والأبحاث المتعددة والتي نتج عنها مجموعة من التعريفات: بدءا من إفراط الفرد في استخدام طاقاته ليستطيع تلبية متطلبات العمل الزائدة عن قدرته,بينما كان رأي آخرين بأنها مجموعة أعراض من الإجهاد النفسي والاستنفاد والتبلد الشخصي والإحساس بعدم الرضا عن المنجز الشخصي والأداء المهني،على حين اختصره البعض على أنه حالة فقدان تدريجي للطاقة والأهداف والمثالية لدى الأشخاص الذين يمارسون المهن القائمة على مساعدة الآخرين بسبب طبيعة عملهم.
اختلال التوازن بين العمل والحياة الاجتماعية
وللوقوف على الأسباب التي تؤدي بالعامل للوصول إلى هذه المرحلة بينت الدكتورة عطايا مجموعة من الأسباب التي تساهم في الوصول لها والتي أهمها:عدم القدرة على التأثير في القرارات التي تؤثر على العمل الخاص بك واضطرار الإنسان للتعامل مع مواقف صعبة وعصيبة متكررة في العمل، ولفترات طويلة من الزمن، ما ينعكس سلبا على صحتهم البدنية والعقلية,وأدائهم الوظيفي والإنتاجي ولتزيد البلة توقعات مدير العمل غير الواضحة,وإحساس الإنسان بالفشل,وعدم قدرته على إنجاز الأعمال بشكل سليم، ناهيك عن الشعور بالغيرة من زملاء العمل,والتمييز في التعامل مع الموظفين,ليصل الأمر إلى فشل الإنسان في تحقيق رغبته في المساهمة برأيه ووضع الخطط وجداول الأعمال,والتعبير عن رغبته أيضا في تحسين دخله المادي وصولا إلى اختلال التوازن بين العمل والحياة الاجتماعية،كأن يكون العمل يحتاج للكثير من الوقت والجهد,لدرجة تفوق قدرة الإنسان على التحمل وعدم تمتعه من قضاء بعض الوقت مع العائلة والأصدقاء.
الإحساس بعدم معنى الحياة
وتبين الدكتورة عطايا إلى أن هناك عدة إشارات وعلامات تثبت أن الإنسان قد وصل إلى هذه المرحلة,بدءا من الشعور بالإجهاد الشديد,وعدم الرغبة بأداء أي عمل أو واجب مهني,ناهيك عن الشعور بصعوبة الاستيقاظ من النوم والتثاقل أثناء الذهاب للعمل,وصولا للشعور بأن أعباء العمل كثيرة وبعدم القدرة على تنفيذها,والإحساس بأنه لا معنى لأي شيء،لا للحياة,لا للإنجازات,ولا للطموح وبغياب لكل المشاعر الإيجابية والتفكير بالموت والمرض و سيطرة السوداوية على التفكير العقلي,وغياب الثقة بالنفس والاعتزال عن الأهل والأصدقاء وزملاء العمل وهذا ما يؤدي إلى ظهور توتر في العلاقات العامة لدى الناس إضافة لظهور الأعراض الجسدية على الإنسان كالإصابة بالأمراض وضعف المناعة والغثيان والصداع.
خفض للطاقة المسخرة للعمل
تضيف عطايا:إلى أنه عندما يشعر الفرد بعدم فعالية الجهد المبذول فستكون النتيجة خفضاً للطاقة المسخرة لإنجاز العمل وحل المشكلات الوظيفية الني يتعرض لها في محيط عمله، إضافة إلى ميله لتقييم نفسه بصورة سلبية ترجح شعوره بانعدام الفاعلية أمام المستفيدين من خدماته،/فغالبا ما يعود الشعور بالنقص في الإنجاز المهني إلى تقييم الفرد لذاته بصورة سلبية على أنه ليس بالمستوى المطلوب لأداء مهامه المهنية بالكفاءة المطلوبة/
المهن الإنسانية الأكثر عرضة
وتشير عطايا: إلى أكثر المهن المعرضة للاحتراق الوظيفي,بأنها هي المهن التي يكون فيها المنح والعطاء أكثر من الأخذ,لأنها مهن تقدم المساعدة والعون والعلاج والتضحية ودعم الآخرين فيبذل فيها الفرد العامل نوعاً من العلاقة مع الآخر وهذه العلاقة تكون قسماً مهماً إن لم نقل أهم شيء في عمله بحيث يمكن اعتبارها مركزاً لنشاطهم المهني , ومن مهن المساعدة على سبيل المثال (الممرضون, عمال الرعاية الاجتماعية, الأطباء, المعلمون, الاختصاصيون النفسيون…).
النساء أولاً
وتبين الدكتورة عطايا إلى أن المرأة وبإجماع علماء النفس أكثر عرضة للأمراض النفسية من الرجل, والتي منها الاحتراق الوظيفي,وربما يرجع ذلك لأسباب منها نظرة المجتمع لعمل المرأة بأنها أقل كفاءة من عمل الرجل, وبطء الترقيات في السلم الوظيفي وعدم تدوير للوظائف,ويمكن إرجاع ذلك لكون المرأة تندمج وتتأثر بالعلاقات الاجتماعية داخل العمل أكثر من الرجل فعلى سبيل المثال إذا كانت المرأة طبيبة فإنها تتأثر بحالة مرضاها الصحية أكثر من الطبيب وبالتالي تكون أكثر عرضة للإنهاك العاطفي.
طرق المقاومة والعلاج
ولتجنب الوصول لتلك المرحلة الحرجة تطرح الدكتورة عطايا عدة طرق علاجية في عدة مجالات أهمها:
• في المجال الجسدي والنفسي للفرد:
تتمثل في الاتجاه نحو وسائل التسلية والترفيه وممارسات الهوايات التي تؤدي إلى تفادي حالات التوتر والقلق التي تسببها ظروف العمل اليومية,فممارسة الأنشطة الرياضية تجعل الفرد يحافظ على حيويته وتمتعه بصحة جسدية جيدة والرياضة بحد ذاتها تعد طريقة من طرق التفريغ النفسي وكذلك استغلال أوقات الفراغ مثل الاشتراك في الدورات والندوات والأهم الانسحاب العقلي والجسدي من جو العمل لفترة معينة والتسلية بأي شيء آخر كقراءة الكتب مثلا ووضع أهداف واقعية تقع ضمن قدراته وإمكاناته.
• في مجال العلاقة مع الآخرين:
تجنب الانعزال عن الزملاء والأصدقاء والاشتراك بنشاطات جماعية على أن يكون هؤلاء الزملاء من ذوي الاهتمامات التي تتفق مع اهتمامات الفرد وأن يكون هناك انسجام بين الفرد ومجموعة الزملاء الذين يتعامل معهم.
• في مجال العمل:
على العامل الاشتراك في الدورات والندوات المتخصصة في مجال العمل وفي نشاطات التطور المهني واللجوء لخلق روح الدعابة والنكتة أثناء العمل وتنويع المهام التي يقوم بها.
• في مجال الجهة المسؤولة /صاحب العمل/:
هذا المجال يرتبط بالنمط الإداري الذي يتبناه المدير الذي يجب أن يتناسب مع الموقف بحيث يجب إشراك الموظفين في وضع الأهداف وصنع القرارات وتنفيذها واستخدام أساليب التعزيز المادية والمعنوية وخلق روح الدعابة أثناء العمل،وتؤكد الدكتورة نهى عطايا على أن العمل وفق هذه الاستراتيجيات يعمل على تجنب أعراض الاحتراق الوظيفي ومن ثم التخلص منه بما يؤدي إلى زيادة مستوى أداء الفرد وشعوره بأنه قادر على الإنجاز وذو فاعلية اجتماعية جيدة وهذا بدوره ينمي مفهوم ذات ايجابي لدى الفرد ويشعره بتحقيق ذاته.
شذرات
وأخيرا تشدد عطايا على أهمية تجنب الوصول لتلك المرحلة الحرجة من خلال العمل على الانفصال عن المهنة ومشاكلها في أوقات محددة يوميا للمساهمة في استعادة النشاط وتجديد الدافع للعمل، ويمكن مقاومته بممارسة أنشطة محببة,والتخلي عن الأقراص المنومة,وتنظيم الوقت لتحقيق أقصى استفادة منه,وأخذ أوقات للراحة وسط يوم عمل ولو لدقائق بسيطة والأهم الابتعاد عن الأشخاص السلبيين والمحبطين.
يحيى موسى الشهابي

 

التاريخ: الخميس 26 – 12-2019
رقم العدد : 17155

 

آخر الأخبار
مشاركون في معرض دمشق الدولي لـ"الثورة": عقود تصدير وجبهات عمل من اللحظة الأولى  معرض دمشق الدولي .. عندما تحوك سوريا ثوب السياسة بخيوط الاقتصاد  توطيد التعاون التربوي مع هيئة الاستثمار السعودي لتطوير التعليم الافتراضي  د. أحمد دياب: المعرض رسالة اقتصادية قوية ومهمة  د. سعيد إبراهيم: المعرض دليل على انتعاش جميع القطاعات "نشبه بعضنا" أكثر من مجرد شعار.. الجناح السعودي يتألق في معرض دمشق..  بعد استكمال إجراءات فتح طريق دمشق- السويداء.. دخول أول قافلة مساعدات أممية إلى المحافظة محمد كشتو لـ"الثورة": المعرض نافذة حقيقية للاقتصاد السوري "المالية" تطلق "منصة الموازنة" لتعزيز كفاءة إعداد الموازنات الحكومية في جناح " الزراعة " منتجات للسيدات الريفيات المصنّعة يدوياً.. مساحة تفاعلية تجمع بين الخبرة والإ... تشغيل بئر مياه جديدة في حمص خطة شاملة لتعزيل وصيانة المصارف والأقنية في الغاب لعام 2025 انضمام المصارف إلى نظام SWIFT.. بوابة نحو عودة الاستثمارات وتعافي الاقتصاد مشكلة مياه الشرب مستمرة.. وبصيص نور كهربائي في تل الناقة طريق حلب- غازي عنتاب.. شريان سوريا الشمالي يعود للحياة من جديد منظمات خيرية تدعو لدعم فوري.. إشادة واسعة بمكافحة التسول في حلب وائل علوان لـ" الثورة": معرض دمشق الدولي منصة لتثبيت استقرار سوريا  معرض دمشق الدولي الـ62.. سوريا تفتح أبوابها مجدداً للعالم أونماخت يؤكد أهمية استمرار الحوار والتعاون البناء مع سوريا  "سيريتل" تطلق عهداً جديداً للتواصل والخدمات