ثورة أون لاين – بقلم رئيس التحرير عـــلي قــاســـــــم:
لم نكن بوارد المقارنة، بين إسرائيل وما تفعله، وبين الوهابية وما ترتكبه، لكنّ الفظائع المتشابهة تقتضي في الحد الأدنى أن تُسترجع الذاكرة البشرية وما علق بها على مدى التاريخ,
كي تستطيع تفسير بعض الظواهر التي يصعب على الخيال أن يستنبط لها مثيلاً، خصوصاً حين تتقاطع بالطريقة والأسلوب، وفي أحيان كثيرة تتطابق في الأهداف والغايات، وبالتحديد حين تشكل المرجعية الأميركية ثالوث هذه العلاقة الملتبسة، التي يحاول رئيس هيئة الأركان الأميركي أن يُقدّم ترجمة لها عبر زيارته لإسرائيل.
فالعلاقة البنيوية القائمة بين أركان هذا الثالوث لم تعد حديث الصالونات السياسية والمنابر الإعلامية فقط، ولا حكراً على أقبية الاستخبارات التي تُنتجها، بل تحولت إلى واقعة سياسية لها مواصفاتها وسماتها التي تميزها عن سواها، على قاعدة من الترابط العضوي والمصيري، حيث تستفيد من التجارب الدموية التي خرجت عبرها الصهيونية من الأقبية الضيقة، واستطاعت أن تمدّ أذرعها خارج ولاياتها الحصرية وممتلكاتها النمطية، لتسجل حضوراً سياسياً يقوم على الافتراض الديني بوكالته الاستعمارية معتمدة على القدم الوهابية الملاصقة لها على امتداد وجودها في المنطقة.
اليوم تتسع قاعدة المشاركة الثلاثية الأميركية الإسرائيلية السعودية وتستدعي استنفاراً على مستويات العمل السياسي والإرهابي، الذي تحولت فيه الولايات المتحدة الأميركية إلى شريك كامل في الإرهاب بأذرعه الإسرائيلية ونسخه الوهابية، بحيث تتشكل التسريبات المتلاحقة على وقع جدول أعمال المسؤول العسكري الأميركي حيث تقاطعت الرؤية الإسرائيلية مع الإلحاح السعودي على الدخول الأميركي المباشر في العدوان المتعدد الجنسيات.
فالفوارق تتلاشى.. فالنسخة الوهابية من الإرهاب التي استولدت تجربتها من الرحم الاستعماري ذاته، انتظرت عقوداً طويلة وهي مكتفية بدور المنفذ والخادم الأمين لإسرائيل، غير أنّ عقم المحاولات الأخيرة دفعت بالوهابية إلى الكشف عن وجهها كحامل لمشروع سياسي يتقاطع في مواصفاته وسماته مع الفكر الصهيوني، وفي بعض جوانبه يشكل بديلاً معقولاً للنفاذ في البيئات الرافضة للوجود الأميركي المباشر.
وجاءت التطورات في المنطقة بعد عجزالأطراف المنافسة لها عن تنفيذ المخطط الأميركي الإسرائيلي التقليدي، وخصوصا الأخوانية المترنحة في اكثر من موقع كفرصة سانحة كي تخرج النسخة الإرهابية بوجهها الوهابي إلى العلن وهي تبني على أنقاض فشل الآخرين، بحيث تعوّض عن تأخرها في تصدر المشهد، بِقِدَم التجربة الناتجة عن تشابك أصابعها مع الأذرع الإسرائيلية، ووجدت في المناخ السياسي ترابطاً عضوياً ضيقاً من المسافة الفاصلة بين الأهداف والغايات، بحيث ترسم المشهد الإقليمي على وقع المنظور الإسرائيلي بامتياز مسبق وبمشاركة مادية وحسية من الولايات المتحدة الأميركية.
وفيما كانت النسخة الوهابية من الإرهاب تقارع من أجل انتزاع الاعتراف الأميركي تحديداً بقدرتها على قيادة المشروع البديل بما يقتضيه من تعديلات جوهرية، جاء فشل النسخة الأخوانية المشوّهة أصلاً، والمرفوضة بعد تجارب مريرة على مدى أكثر من تسعة عقود على انطلاقتها الأولى، ليدفع بالوهابية نحو صدارة المشهد دون منازع، واستولدت من التنظيمات الرديفة بدءاً من تنظيم القاعدة وليس انتهاء بـ « جبهة النصرة» مروراً بـ « دولة العراق و الشام الإسلامية » ، ما تحتاج إليه من بنية سياسية، وأضافت عليها المسحة العقائدية بجوهرها الديني الإلغائي، وتقدمت نحو فرض شروطها ونمط حضورها وفق المنهج الصهيوني في بدايات القرن الماضي.
اللافت أن الوهابية تتجاوز الصهيونية في الكثير من فصولها الدموية، وتسجل ما لم تعهده البشرية في تاريخها، وما لم تشهد له مثيلاً حتى في قصص الخيال والتوحش على القاعدة الصهيونية ذاتها، التي ابتدعت في حينها نماذج من الإرهاب والوحشية -لفرض وجودها- لم تكن معهودة في حينه ولا هي مطروقة وباتت فصيلاً مستقلاً في التاريخ يشهد على فظاعته.
والواضح أن النسخة الوهابية استفادت من التجربة الصهيونية في تطويع الظروف والتطورات لمصلحتها بدءاً من التشويه المتعمد للدين وصولاً إلى ابتداع الأدوات والوسائل والغايات والمفاهيم، بحيث تكون في المكان الذي لا تتجرأ القدم الأميركية على الحضور إليه مجدداً، بعد تجارب مريرة تراكمية ونوعية من الفشل في الحضور العسكري المباشر من جهة، وباعتبارها نافذة للأذرع الإسرائيلية ووكيلاً حصرياً لها، ومؤتمناً على المهمة في الموضع الذي عجزت عن النفاذ إليه من جهة ثانية.
a.ka667@yahoo.com