تكاد تكون الموضوعات المطروحة في أعمال الفنانين ثابتة على مرالعصور، بخلاف التقنيات التي تتبدل وتتغير وفقاً لتبدلات الزمان والمكان، فالمواضيع التي جسدها فنان العصر الحجري على جدران الكهوف، وصولاً إلى المواضيع المطروحة حالياً، ومروراً بكل المراحل التاريخية، لم تتغير (وأهمها: العناصر الإنسانية والحيوانية والطبيعة وما شابه ذلك)..، أما التقنية التي عالج بها الفنان هذه العناصر والمشاهد، هي التي تغيرت وأدت إلى حدوث تحولات وانعطافات وانقلابات وثورات ومدارس فنية، مثل الكلاسيكية والرومانسية والانطباعية والتعبيرية والتكعيبية والتجريدية والدادائية والسوريالية وغيرها، فتقنية التلوين الكلاسيكي كانت مثالية وبعيدة عن ألوان الواقع، بخلاف تقنية التلوين الواقعي التي كانت مطابقة لألوان الواقع.. ومع المدرسة الانطباعية التي تكرست في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أصبح هدف الفنان التقاط تبدلات اللون والضوء على الأشياء بسرعة خاطفة، وبلمسات لونية متتابعة ومتجاورة، وهنا تغيرت تقنيات التلوين، وانتقلت من الرزانة والصرامة والعقلانية، التي كانت سائدة في الرسم الكلاسيكي والواقعي، إلى العفوية والتلقائية والسرعة الأدائية في التشكيل الانطباعي.. ومع ظهور التجريد الغنائي والهندسي في فنون مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، حدثت تحولات كبيرة في تقنية وضع المادة اللونية على سطح اللوحة، فالتجريد الغنائي اعتمد على اللمسات والحركات اللونية السريعة والتلقائية، التي ربطها كاندينسكي بايقاعات النغم الموسيقي.. في حين ركز موندريان على المساحات اللونية الهندسية الصافية، وبذلك أصبحت تقنية وضع اللون في كلتا المدرستين على طرفي نقيض.
وإذا تناولنا موضوع العشاء الأخير، نجد أنه لم يتغير في دلالاته الروحية والإنسانية منذ عصر النهضة إلى اليوم، رغم أن الفنانين عالجوه بكل التقنيات والوسائل، مع إضفاء النواحي الذاتية الخاصة بكل فنان على حدة، حيث جسده نجم عصر النهضة ليوناردو دافنشي بصياغة كلاسيكية، ثم استعاده الفنانون، في كل المراحل التاريخية، وجسدوه بكل الوسائل والتقنيات القديمة والحديثة.
رؤية- أديب مخزوم