الثورة أون لاين – فردوس دياب:
شهدت الأيام والأسابيع القليلة الماضية حالات عنف غير مسبوقة بين تلاميذ وطلاب المدارس ناتجة عن الشجار والضرب، كان آخرها قبل يومين في إحدى مدارس اللاذقية، حيث تم استئصال الطحال لطفل في الصف الخامس الابتدائي بسبب تعرضه للضرب من قبل أقرانه بعد مشاجرة بينهم خلال الفرصة، كما شهدت إحدى مدارس ريف محافظة حماة – قرية البياضية – قبل نحو أربعة أشهر وفاة التلميذ عبد الرحمن مصطفى بعد توقف قلبه بسبب تعرضه للضرب من قبل زميله داخل باحة المدرسة.
وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية الكثيرة والمتداخلة وراء هذا العنف المتصاعد بين التلاميذ، التي تتباين أسبابه بين الأسباب الأسرية وبين المدرسية والاجتماعية بشكل عام، إلا أن هذا الأمر بات بحاجة إلى تدخل نوعي واستثنائي من قبل المعنيين بالأمر لمعالجته بشكل سريع قبل استفحاله وتفاقمه ووصوله إلى مرحلة يصعب معالجتها.
لمقاربة الموضوع على أرض الواقع، دخلنا إلى بعض المدارس، وتقصدنا أن يكون ذلك خلال الفرصة وسجلنا بعض المشاهدات اللافتة، كما التقينا بعضاً من مديري المدارس والمشرفين اللاصفيين المسؤولين عن ضبط التلاميذ خلال فترة الاستراحة.
*فوضى داخل الباحة..
في إحدى مدارس حي الميدان بدمشق كانت البداية، حيث كانت الباحة متخمة بالتلاميذ الذين يتدافعون ويركضون ويلعبون هنا وهناك، وكان الأمر لا يخلو من بعض اللعب العنيف الذي يكون على شكل مشاجرات وتضارب لإثبات من الأقوى، لكن صافرة المدير وصراخ المشرف اللا صفي كانت لهم بالمرصاد لضبطهم وكبح جماح لهوهم وجنونهم.
مدير مدرسة: نستخدم قطن وشاش أكثر من القرطاسية!!
الأستاذ بشار الحسن مدير إعدادية عارف النكدي في حي الميدان بدمشق قال: إنه لا يمكن ضبط حالات الفلتان والفوضى في الباحة خلال الفرصة بسبب الأعداد الكبيرة للتلاميذ، مضيفاً أنه يحاول قدر الإمكان تنظيم لعب التلاميذ من خلال المشرفين اللاصفيين المتواجدين في الباحة ومن خلال تلاميذ الانضباط، إلا أنه ورغم ذلك كله فإنه يحدث هناك حالات ضرب وشجار بين التلاميذ، وهذا مرده بحسب مدير المدرسة إلى عوامل أسرية في أغلب الأحيان أي إلى تربية الطفل في المنزل وما اكتسبه من أهله، إضافة إلى تأثير الألعاب الالكترونية السلبي على الأبناء والأطفال والمراهقين التي تحثهم على العنف وتؤثر سلباً في سلوكهم وشخصيتهم، ذلك أن بعض التلاميذ يقومون بتطبيق ما يشاهدونه على الموبايل من ألعاب الكترونية تكون عنيفة في أغلبها على زملائهم في المدرسة.
واختصر الحسن الأمر بالقول: إن كميات القطن والشاش التي يستخدمها لتطبيب التلاميذ المصابين من العنف والمشاجرات أكثر بكثير من القرطاسية المستخدمة لتعليمهم، وهنا كانت المفارقة المضحكة المبكية!!؟.
العنف في تزايد..
في مدرسة عبد الرحمن الكواكبي (حي الميدان) كان لمديرها الأستاذ خالد أبو السل رأي يحاكي الواقع ويقاربه، حيث أكد لنا أبو السل: أن موضوع العنف بين التلاميذ في تزايد مستمر، و يعزى ذلك إلى العديد من الأسباب الكثيرة والمتداخلة فيما بينها، ولعل أهمها بحسب أبو السل هي آثار الحرب التي أثرت بشكل سلبي على نفسية الأهل الذين نقلوا هذه السلبية والعصبية إلى أبنائهم الذين يحاولون تفريغها على شكل لعب وشجار وعنف فيما بينهم.
وأوضح مدير المدرسة أن الإجراءات التي تقوم بها المدرسة لضبط العنف كثيرة لكنها غير قادرة على ضبط اندفاعة بعض التلاميذ نحو اللعب العنيف، وأن هذا الأمر يحتاج إلى تدخل الأهل من خلال التوعية والحوار ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء هذا العنف، وتلك المهمة يضطلع بها المشرفون الاجتماعيون والنفسيون في المدرسة.
يصعب ضبطهم..
بدورها قالت الآنسة سهير دكاك أمينة السر في مدرسة عزت حصرية (حي الغواص) بأن الشجار بين التلاميذ نوع من أنواع اللعب يتطور في كثير من الأحيان إلى العنف المفرط الذي يؤدي إلى أذية متبادلة بين التلاميذ، وهذا حال معظم المدارس التي زرناها خلال الفرصة، حيث تجد التلاميذ والطلاب في فوضى عارمة في اللعب واللهو والركض رغم الزحام والاصطدام، ورغم وجود مشرف أو مشرفة من الكادر التدريسي لمراقبة ما يحصل وضبط لعب واستراحة التلاميذ، إلأ أنهم غير قادرين على منع الأطفال من الشجار والعنف.
بعض المعلمات والمعلمين كانوا صريحين جداً وإلى حدود الشجاعة عندما أخبرونا بأنهم يصعب ضبط الأولاد في الفرصة لذلك يكتفوا بالجلوس والمراقبة عن بعد، ويقومون بمعالجة أي حادثة من حوادث الشجار والعنف بعد أن تحصل وليس قبل، أي عندما يأتي التلاميذ ويخبرونهم بأن هناك مشاجرة ما بين التلاميذ، أو أن هناك تلميذ (طفل) قد سقط أو جرح في الباحة نتيجة ركض وشجار مع من هم أكبر منه سناً في الباحة، لا سيما في مدارس التعليم الأساسي، حقلة أولى.
إهمال من المشرفين..
الموجهة التربوية حنان نصر قالت: إنها تتابع الفرصة بنفسها وأنها توجه المعلمة أو المعلم المشرف على الفرصة لمنع الركض والعنف والض
رب بين التلاميذ في الباحة، خاصة إذا كان هناك أطفال من الصف الأول في الباحة، وتضيف أن هناك حالات كثيرة من عدم الانتباه والمتابعة عند بعض المشرفين على ضبط حركة التلاميذ في الفرصة وهذه حقيقة يجب معالجتها رويداً رويداً لأن التلاميذ هم أطفالنا وأبناؤنا ولا أحد يرضى أن يتعرض ابنه للعنف في المدرسة.
أما التلاميذ، شاهين، وسلمان، وحسن وأويسر فقد أجابونا لدى سؤالنا لهم لماذا يتشاجرون ويلعبون بعنف في الفرصة، فقالوا إن هذا الأمر هو مجرد لعب ولهو لأنهم يشعرون بمتعة كبيرة في ذلك، إلا أن سلمان كانت إجابته أعمق وأبعد بكثير وتوضح أسبابا ًكثيرة لهذا العنف المتزايد عندما قال، إن ما يقوم به هو تطبيق لما يشاهده من ألعاب ومشاهد عنف على الموبايل حيث يقوم بتطبيقها على أقرانه في المدرسة بقصد اللعب الذي يتحول إلى عنف متبادل.
سلوك عدواني..
وللتعمق أكثر في أسباب العنف بين الأطفال وتلاميذ المدارس التقينا الباحث النفسي والاجتماعي طارق بدران الذي عرف لنا العنف المدرسيّ بأنه سلوك عدواني صادر من التلاميذ تجاه بعضهم وأحياناً تجاه معلميهم، وقد يتسبب في حدوث أضرار جسديّة أو نفسيّة أو ماديّة بحسب شكله ونوعه وشدته، كالشجار بين التلاميذ، وتخريب المرافق المدرسية، أو الاعتداء لفظيّ بالتهديد، والمشاغبة، والشتم، والتنابز.
وأوضح بدران أن للعنف المدرسي أسباباً متعددة أهمها الأسباب العائلية كفقدان الأمان نتيجة غياب أحد الوالدين أو طلاقهما أو بسبب كثرة الخلافات والمشاحنات بينهما، وتدنّي المستوى المعيشي الذي يؤدي إلى البطالة، ونقص في الاحتياجات الماديّة، وأشار بدران إلى أن استخدام العقاب الجسدي والقسوة كوسيلة في معاملة الأبناء من قبل الأهل يؤدي إلى جعل سلوك الطفل عنيفاً داخل المنزل وخارجه.
أسباب نفسية واجتماعية..
وبين الباحث النفسي والاجتماعي أن هناك أسباباً اجتماعية أيضاً تقف خلف السلوك العدواني للطفل العنيف، من هذه الأسباب أجواء الحروب وآثارها، والمشاهدات العنيفة التي شاهدها أبناؤنا خلال سنوات الحرب الإرهابية التي شنت على شعبنا، والتي كانت آثارها صعبة على الكبار فكيف على الأطفال الصغار حيث انعكست على سلوكهم وتصرفاتهم بشكل ممارسات عنيفة.
وبين بدران أن هناك أسباباً نفسية تلعب دوراً كبيراً في جعل الطفل عنيفاً وعدوانياً، منها تعرض الطفل لصدمات نفسية متلاحقة أو تعرضه للعنف من قبل أهله أو أحد الأشخاص، كذلك فإن مرحلة المراهقة وما يصاحبها من حب الظهور لدى المراهقين حيث يعتبر بعضهم أن العنف من دلائل الرجولة تجعل من المراهق عنيفاً.
وعن أشكال العنف المدرسي قال بدران: إن العنف المدرسي يتمثل بأشكال عديدة منها، تحقير طفل لطفل آخر بسبب ضعفه أو مرضه أو إعاقته، أو نعت طفل لآخر بألقاب معينة لها علاقة بالجسم مثل الطول أو القصر أو السمنة المفرطة، أو تخويف طفل لآخر بالتهديد بالضرب لأنه أقوى منه، أو مجموعة أصدقاء يهاجمون شخصاً واحداً، أو يهاجمون مجموعة من التلاميذ تكون هادئة ولا تثير المشاكل، أو السب والشتم بألفاظ جارحة، وصولاً إلى الضرب والركل والعض والبصق.
أخيراً يمكن القول: إن معالجة هذه الظاهرة التي باتت تتفاقم في مدارسنا وبين أبنائنا تحتاج إلى تعاون الجميع، المجتمع، والمدرسة، والأهل، إلا أن المهمة الأكبر تقع على عاتق الأهل الذين يتوجب عليهم تشذيب وتقويم سلوك أبنائهم العدوانين ومحاولة معرفة الأسباب الكامنة وراء عدوانية أبنائهم ومن ثم معالجتها وحلها، ذلك أن معظم الأسباب التي تقف خلف عنف وعدوانية وتنمر الطفل هي أسرية كما أسلفنا من قبل، لذلك فإن المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق الآباء والأمهات في حماية أبنائهم من العنف والعنف المتبادل.
يذكر أن وزارة التربية كانت قد أطلقت في العاشر من تشرين الأول الماضي (الحملة الوطنية للسيطرة على العنف) من منزل الطالب عبد الرحمن مصطفى الذي توفي بعد ضربه من قبل زميله داخل باحة مدرسته بقرية البياضية بمحافظة حماة.
لكن السؤال الرئيس في هذا المجال، هل أخذت الحملة طريقها إلى التطبيق الفعلي على الأرض، أم انها لم تر النور وظلت حبيسة في منزل الطالب المتوفى عبد الرحمن مصطفى!؟، سؤال ننتظر الإجابة عليه من المعنيين بالأمر.