يوم بعد آخر تزداد أعداد الشابات والشبان الراغبين بإنتاج اللوحة والمنحوتة والعرض في إطار الجماعة، وهذه ظاهرة صحية، نجدها في الدول الراقية، حيث تظهر أسماء جديدة بشكل يومي، وتشجيع هذه الأسماء لا يؤثر سلبياً على الأسماء الراسخة والمخضرمة، وإنما يوسع من دائرة التذوق الجمالي، ومن المعارض، ومن عدد المتابعين لتجارب الكبار.
واللافت أن معظم المشاركين في هذه المعارض، يتجاوزون الصياغة التسجيلية، والدقة الواقعية، ويتفاعلون مع تقنيات فنون العصر، رغم أن بعضهم لايزالون في بداية طريقهم الفني الصعب والشاق.
وهنا سأثير مسألة تشكيلية بحتة لم يتحدث عنها أحد، وجوهرها أن معظم هواة الفن، يستفيدون في خطوات إنجاز أعمالهم من مشاهداتهم وتأملاتهم ومتابعاتهم اليومية لأعمال كبار فناني الحداثة العرب والأجانب، ولكن أكثرهم لا يعرفون أبسط المصطلحات النقدية، حتى أن بعضهم ينظر إلى عبارات (من أمثلة: حداثة تشكيلية وعفوية لونية وبعد ثالث ومناخ لوني وغيرها) على أنها طلاسم وعبارات غامضة، ولهذا قلت سابقاً وسأبقى أكرر: إن الفن للعامة والنقد للنخبة، لأن الفنان الأمي فنياً، قد يشاهد لوحة مرسومة مثلاً بسكين الرسم، ويعمل على تقليدها، وأيضا قد يتأثر بكل المدارس الفنية الحديثة، وبأقصى حالات التجريد، دون أن يعرف التعبير عن جمالياتها بلغة نقدية خالصة، على الصعيدين التشكيلي والتقني.
وحين يتحدث أحد هؤلاء عن لوحاته الحديثة، فمن الطبيعي، أن يكون كلامه له علاقة بكل شيء، ما عدا الفن التشكيلي، لذلك نصيحتنا لهؤلاء الشباب الاطلاع على ما يكتبه نقاد الفن التشكيلي المشهود لهم، وعدم الالتفات إلى الكتابات الاستعراضية والأدبية والسطحية، لأنها تزيد من حالات غربتهم، وتبعدهم مسافات عن لغة الفن التشكيلي، البعيدة كل البعد عن لغة الأدب واللغة العامة بشكل خاص.
وأكاد أصاب بالهلع حين أسمع كلام بعض الفنانين عن لوحاتهم، ويزداد هذا الشعور حين تعلمون أن إحدى المشاركات في معارض الشباب قالت لي مرة: ماذا تعني بعبارة لمسة لونية عفوية، علماً أنها ترتكز في كل خطوة من خطوات إنجاز لوحاتها على العفوية اللونية، حتى أن عندها في بعض لوحاتها مقاطع تجريدية غنائية وهندسية، والمفارقة المؤلمة أن يأتي أحد هؤلاء غير القادرين، على استيعاب أبسط العبارات النقدية، ويتحدث عن غياب النقد التشكيلي، وهنا تنطبق العبارة القائلة: الإنسان عدو ما يجهل.
رؤية -أديب مخزوم