سيناريوهات تفاعل الحضارات في القرن الحادي والعشرين

الثورة أون لاين -ترجمة- د. ثائر زين الدين:

تأليف: الأستاذان يوري ياكوفيتسو، وبوريس كوزيك

يكتسبُ تفاعلُ الحضارات الإقليمية في القرن الحالي أهمية مفتاحية، ليس فقط من أجل مصير تلك الحضارات مستقبلاً، بل لأجل مستقبل البشرية كلها، لأجلِ استمرار حياةِ الجنس البشري-homo sapiens نفسه، وتطوره وسبب ذلك هو الانكسار التاريخي، وتبدل العصور كنتيجة لما يلي:
– الانتقال من الحضارة الصناعية العالمية التي سيطرت لأكثر من قرنين من الزمن إلى الحضارة ما بعد الصناعية، تلك التي لم يشتد عودُ مبادئها بعد، ومازالت احتمالات تطورها المختلفة في صراع فيما بينها، ذلك أن العالم القديم ما زال ينازع؛ محاولاً التأقلم مع العيش في الظروف الجديدة.
-تبدل النظامين: الاجتماعي-الثقافي الحسّي، الذي سيطر لخمسة قرون في الغرب والاجتماعي- الثقافي ما فوق الحسّي، الذي تتسمُ به حضارات الشرق، بالنظام التكاملي، الذي يقوم على استثمار الخواص الإيجابية في النظامين السابقين وخلق الإنسجام فيما بينها، وستستمرّ عملية التبدل هذه طيلة القرن الحادي والعشرين-على الأغلب-وستشهد تغيرات في منظومة القيم.
-تسارع عملية العولمة، والمواجهة بين أنموذجيها؛ الأوّل الذي يسعى إلى قولبة العالم وتنميطه وفق الأنموذج الغربي، وبالتالي إذابة الثقافات في فضاءٍ حضاري مشترك، والآخر الهادف إلى الحفاظ على تنوع الحضارات الإقليمية من الجيل الخامس وتقويته وتوسيع أطر الشراكة فيما بين تلك الحضارات.
يمكن عرض السيناريوهات الممكنة لتفاعل الحضارات في القرن الحادي والعشرين وفق ما يلي:
– السيناريو الأكثر سوءاً منها هو سيناريو صدام الحضارات، على خطوط الانكسارات الحضارية، هذا الصدام الذي سيؤدي في النهاية إلى انتحار البشرية.
– سيناريو ذوبان الحضارات في تكوين كوكبيٍ ما فوق مجتمعي.
– السيناريو التفاؤلي الممكن أيضاً هو حوارُ حضارات الجيل الخامس وشراكتها في حلِ القضايا الكوكبية الملحة، وفي ضمان تطورٍ مُستدام على المستوى العالمي.
لندرس الآن كلاً من هذه السيناريوهات وآثارها المحتملة:
سيناريو صدام الحضارات.لقد درس هذا السيناريو بالتفصيل ص.هانتغتون(259)، ورأى أن هناك مقدمات أو شروطاً دولية ذاتية وموضوعية لحدوثه، في ظروف اتساع الهوّة بين الحضارات الغنية والفقيرة.لكن تحقق هذا السيناريو من خلال صدامٍ ملّحٍ واسعٍ بين الحضارات يواجهُ الآن بوعي الناس على الكوكب وإدراكهم بصورة متزايدة أن صداماً كهذا سيحملُ هلال البشرية جمعاء.
إن صراع الحضارات على المستوى الإقليمي لم ينقطع أبداً: ومن أمثلته النزاعات المُسلحة في الشرق الأوسط، وفي البلقان، وأفغانستان والعراق، وما وراء القفقاز، وفي شبه جزيرة هندستان، هذا بالإضافة إلى الأعمال التخريبية المتكررة.ويتمكن المجتمع الدولي حتى الآن من إطفاء هذه البؤر الخطرة، دون السماح لها بالنمو لتصبح صراعات كوكبية بين الحضارات، دافعاً مقابل ذلك ثمناً كبيراً أو صغيراً.
إن احتمال نشوب حرب واسعة بين الحضارات في العقود القريبة القادمة، وفي ظل تناسب القوى الحالي على الساحة الجيوسياسيّة يبقى ضعيفاً، لكن هذا الخطر يمكن أن يزداد من جديد حين يختّل توازن القوى في المستقبل البعيد.
وتتمثل الفرصة الوحيدة لتجاوز هذا الخطر في الجهود المشتركة لتخطّي أساسها الموضوعي-المتمثل في الهوّة المتزايدة بين الدولِ والحضارات الغنية القليلة من جهة، والأكثرية الفقيرة على الكوكب من جهةٍ ثانية.
صاغ الفيلسوف الروسي أ.أزينوفيف سيناريو ذوبان الحضارات في تكوينٍ كوكبي فوق مجتمعي بصورة شديدة الوضوح؛ وقد انطلق من التصورات التالية:
“الحضارة ظاهرةٌ تاريخية: تظهرُ، وتعيشُ، وتتحدّثُ، وتتغيّرُ، وتهلكُ…في ظروفٍ محددةٍ.إن ظهور الحضارات في القديم لم يكن ضرورة مطلقة، وما كان بإمكان أي تجمّعٍ للناس أن يؤسس ويحمي الحضارة إلى الأبد..إن الحضارات الباقية، ومن ضمنها الأوروبية-الغربيّة محكومٌ عليها بالاختفاء، وستقوم مكانها ظواهرُ من نوع آخر، أكثر مناسبة للظروف الجديدة على الكوكب…إن الحضارة الأكثر أهمية في تاريخ البشرية هي الحضارة الغربية، وقد أخذت تُهْضمُ في النصف الثاني من قرننا، من قبل منظمة اجتماعيةٍ ذات مستوى أعلى-اتحاد الدول الغربية في أحلاف فوق قوميّة، ومجتمعات عليّا فوق قومية، ومن ثم في مجتمعٍ كوكبيٍ أعلى.لقد أصبح زمن الحضارات من الماضي”(172-ص 20، 21).
إن خطر ذوبان الحضارات في مجتمعٍ كونيٍ أعلى لهُ مقدماته الأولية الموضوعية في أنموذج العولمة الليبرالية الجديد.هذا الأنموذج يؤثر في منظومات القيم بهدف قولبتها في قالبٍ واحد، وضمان قيادة الغرب للعالم في المجال الاقتصادي، والتقني، والسياسي، والإعلامي، والإيديولوجي بداية القرن الحادي والعشرين.وإذا بقيت هذه النزاعات في العقود القادمة فإن خطر ذوبان الحضارات في مجتمعٍ كوكبيٍ أعلى سيصبحُ واقعاً.

إلاّ أن قوىً ضخمة، وتجربة تاريخيّة تراكمت خلال خمسة آلاف عام تواجهُ هذا السيناريو، كما أخذت الحضارات الإقليمية تُدرك خطرَ القضاء عليها كوحداتٍ مستقلة، فراحت تقاوم ذلك بما أوتيت من قوّة.كما بدأت تتضحُ أكثر فأكثر حقيقةٌ مفادها أن تجاوز التنوع الحضاري والقومي والاجتماعي-الثقافي خطرٌ على البشرية كذلك، مثلهُ مثل فقدان التنوع البيولوجي للطبيعة الحيّة.

إن نظام صمود الحياة واستمرارها يحددّهُ تنوع عناصر هذا النظام المكونةّ له، فإن فُقدَ هذا التنوعُ، أو بعض تلك العناصر، فستكون النتيجة موت النظام نفسه.
جاءَ تشكّل الجيل الخامس من الحضارات الإقليمية ذي التنوع الكبير مقارنةً بحضارات العصر الصناعي إجابةً عن تحديات العولمة والتنميط، ويمكن أن نتوقع أن القرن الواحد والعشرين لن يضعف التنوع الحضاري-الثقافي للبشرية، بل على العكس سيقويه، وستتجددُ أشكالهُ تحت تأثير النزعة نحو الحوار والشراكة ما بين الحضارات في حلّ القضايا الجديدة والتهديدات التي تواجه البشرية.
سيناريو الحوار والشراكة:
ليس حوار الحضارات وتعاونها ظاهرةً جديدة، لقد وجدت منذ وجود الحضارات نفسها، وتغيّرت من عصرٍ إلى عصر، ومن حضارة عالمية إلى أخرى، وستمتلك في القرن الحادي والعشرين ملامح وخصائص جديدة، وستتحّدثُ، للأسباب التالية:
أولاً-لا بديل لحوار الحضارات وتعاونها، إلا صدامها، الذي سيقضي في النهاية على الجنس البشري على سطح الكوكب.لم يظهر في تفاعل الحضارات من قبلُ آفاق خطيرة كما هي الحال اليوم.إن طموح البشرية للحفاظ على بقائها يجعلُ من الحوار والشراكة بين الحضارات الاحتمال الوحيد لاستمرار حياتها.
ثانياً-تهدِّد عملية العولمة الحضارات بالذوبان في مجتمع كوكبي أعلى منمط وفق الأنموذج الغربي، وهذا ما سيدفع تلك الحضارات لبذل كل جهدٍ ممكن بهدف الحفاظ على خصوصيتها الحياتيّة.والبحث عن إمكانية التفاعل مع مثيلاتها من الحضارات.
ثالثاً-لم تكن من قبلُ إمكانية حوار الحضارات وتعاونها واسعة إلى هذا الحد، ولم تقم مثل هذه الشراكة بهدف الوصول إلى حلٍ مشتركٍ للمشكلات الكوكبية، إن الحديث يدور هنا حول الفضاء الإعلامي العالمي(الاتصالات الفضائية، الانترنت..)وحول تياراتِ الهجرة القويّة، وانتقال الناس ورؤوس الأموال الحرّ، والقضايا البيئية والاجتماعية-الثقافية المشتركة، والكثير من وسائل التفاعل، التي تشكل قماشاً متيناً للعلاقات بين الحضارات في فضاءِ حضارةٍ كوكبية واحدة.
ذلك ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عندما قال:”توجد إلى جانب التنوع اللانهائي للثقافات حضارة كوكبية واحدة، تجري ضمن أطرها عملية سلمية مثمرة لتشكل أفكار وقناعات البشرية، وتطورها.وينبغي لهذه الحضارة أن تتصف بوجود علاقات متسامحة تجاه الاختلاف، وبانتصار التنوع الثقافي، وبامتلاك الحقوق المشتركة الأساسية، وبالاقتناع أن للناس كلهم حق التصويت والاختيار في إدارة أمورهم.ينبغي علينا أن ندافع عن هذه الحضارات بالذات وندعمها في الألفية الجديدة”.
لذلك فإن تحقيق سيناريو حوار الحضارات وشراكتها في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط مجرّد أمرٍ نتمناهُ بشدة، بل هو أمرٌ يقينيٌ صحيح.إلا أن هذه العملية لن تكون سهلة وسريعة، وستستغرق أكثر من عقدٍ من الزمن، تستمر خلاله النزاعات على خطوط التماس الحضارية، ليس فقط على الحدود بين الدول، ولكن غالباً ما تكون داخل الدول نفسها، وسيستغرق الأمرُ جيلاً أو جيلين، قبل أن يصبح حوار الحضارات شيئاً معترفاً به بشكلٍ واسع، وشكلاً مسيطراً في العلاقات ما بين هذه الحضارات.
سيساعدُ في تحقيق ذلك تنفيذ برامج العمل المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم56/6 تاريخ6 تشرين ثاني(نوفمبر)عام 2001:”جدول أعمال الحوار بين الحضارات”، جاء في هذه الوثيقة بشكلٍ خاص:”الحوار بين الحضارات-عمليةٌ تجري داخل الحضارات نفسها، وفي ملتقاها، المؤسس على المشاركة العامة، والرغبة الجماعية في التعلم، واكتشاف ودراسة الفرضيات، وإبراز مجالات التفاهم المشترك، والقيم الأساسية، وتوجيه المداخل المختلفة إلى هدفٍ واحد بمساعدة الحوار.
سيصبحُ الحوارُ بين الحضارات كونياً من حيث وسط المشاركين فيه، وسيصبحُ مفتوحاً للجميع”.
جملة التحولات:
تُبين احتمالات تطور الحضارات المطروحة في هذا الفصل أن تغيراتٍ عميقة تنتظر البشرية في هذا القرن، يشتَرطها الانتقال إلى الدورة التاريخية العظمى الثالثة، وتشكيل الحضارة العالمية ما بعد الصناعية الإنسانية-النووسفيرية، والجيل الخامس من الحضارات الإقليمية، لذلك سيصبح القرن الحادي والعشرون عصر التغيرات العاصفة، والعشوائية أحياناً، وعصر انهيار دعائم المجتمع القديمة، وبناء الجديدة منها، تلك التي لم تتضح تماماً أبعادها وأشكالها حتى الآن.كانت بداية هذه التغيرات قد انطلقت في العِقد الأخير من القرن العشرين.

باستعراض التحولات الحضارية المحتملة للسيناريو التفاؤلي خلال قرنٍ ونصف-منذ الربع الأخير من القرن العشرين، حتى نهاية الربع الأول من القرن الثاني والعشرين؛يمكن أن نُعدّ هذا الزمن؛زمن الانتقال إلى الدورة التاريخية العظمى الثالثة، وتشَكُل الحضارة العالمية ما بعد الصناعية وانتشارها، وتشكل الجيل الخامس من الحضارات الإقليمية.
نحنُ نقسمُ هذه الحقبة إلى ثلاث دورات طويلة نصف قرنيّة على النحو التالي:
1-من أواسط سبعينيات القرن العشرين-حتى أواسط عشرينيات القرن الحادي والعشرين(الدورة الكوندراتيفيّة الخامسة):أزمة الحضارة الصناعية، ونشوء الحضارة ما بعد الصناعية، وتبدّل الجيل الرابع من الحضارات الإقليمية بالخامس؛إنه التطور الأكثر صعوبةً، وألماً وهو حافلٌ بالهزاتِ، والأخطار والنزاعات في حياة ذلك الجيل.
2-من أواسط العشرينيات-حتى بداية السبعينيات من القرن الحادي والعشرين:وتمثل طور انتشار الحضارة العالمية ما بعد الصناعية على الكوكب، والجيل الخامس من الحضارات الإقليمية، وظهور خصائص هذا الجيل وسماته المميزة بوضوح، وتطبيق مبادئ الحياة الإنسانية-النووسفيرية، وأنموذج الحضارة المناسب له.
3-من بداية سبعينيات القرن الحادي والعشرين-حتى بداية عشرينيات القرن الثاني والعشرين:وتمثل طور نضوج الحضارة العالمية ما بعد الصناعية، والجيل الخامس من الحضارات الإقليمية، وتوسع الشراكة مابين هذه الحضارات، وتباطؤ وتائر التغيرات.
وبالطبع المُخطط المعروض أعلاه هو واحدٌ من سيناريوهات التطور الجيوحضاري المستقبلي، زد على ذلك؛إنه السيناريو التفاؤلي منها، وهو لا يُلغي سيناريوهات أخرى محتملة-أكثرها بعثاً للكآبة:السيناريو التشاؤمي-كالهلاك الذاتي للبشرية نتيجة صدام الحضارات، أو حدوث كارثة كونّية.
كما عرض المخطط المذكور التغيرات الراديكالية المحتملة في المجالات الأساسية، التي تشكل الأنموذج الوراثي للحضارة:السكانية، والطبيعية البيئية، والتقنية-المتجددة، والاقتصادية، والاجتماعية-السياسية، والروحية، ويصبح واضحاً من خلال ذلك عمق التحولات في كلٍ من هذه المجالات، بالتزامن مع الدورات الطويلة.

آخر الأخبار
رشاقة الحكومة الجديدة والتحالف مع معدلات النمو في حوار مع الدكتور عربش في أولى قراراتها .. وزارة الرياضة تستبعد مدرباً ولاعبتي كرة سلة تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد