الذين يبجلون الموسيقا الغربية، ويحاربون الموسيقا والأغاني العربية، التي صنعت عصر الغناء الذهبي، قد يكون موقفهم السلبي ناتجاً عن عقدة الشعور بالنقص تجاه إبداع الغرب، ومنهم أساتذة معروفين بمحاربتهم للموسيقا والغناء العربي، حتى أن بعض المعاهد الموسيقية عندنا، والمجلات المتخصصة بالموسيقا، لانجد فيها إلا هامشاً للموسيقا العربية، وذلك لأنهم يتعالون على الإبداع الموسيقي العربي، وهذا ناتج في أكثر الأحيان عن جهل، وليس عن دراسة ومعرفة ونقد حقيقي، ولمن لايسمعون إلا الموسيقا والأغاني الأجنبية، نقول – على سبيل المثال – إن فريد الأطرش هو العربي الوحيد الذي منحته فرنسا وسام الخلود الفني، إلى جانب بيتهوفن وشوبان، ولقد انتشرت أغانيه بتسع لغات، وبأصوات مطربات ومطربين أجانب، وهذه المعلومات باتت معروفة، وأستعيدها في سياق إثارة هذا الموضوع، لأن موسيقاه تحوز على إعجاب الأجانب، كما تحوز موسيقاهم على إعجابنا..
حتى بعض عشاق فريد الأطرش ظلموه عن غير قصد، حين حصروه بلقب ملك العود، لأن شهرته العالمية حققها بألحانه، وليس بعزفه فقط، وهو ملك في التلحين والغناء والعزف والكرم وغير ذلك. وفي هذا السياق قد يأتي من يقول بأن محمد عبد الوهاب قد اقتبس من موسيقا الغرب، فكيف يكون أفضل منهم، و أرد بالقول: لايوجد ولا موسيقار كبير أو ناقد موسيقي بارز، قلل من أهمية أو دور عبد الوهاب كمجدد أول للموسيقا العربية، كل الذين ينتقدونه، بذريعة اقتباساته الذائعة الصيت، هم من السطحيين، الذين لايعرفون المقامات، ولا ألف باء الموسيقا، متجاهلين دوره أيضاً كواحد من كبار المطربين في هذا العصر.
فعبد الوهاب كان يعرف ماذا يريد الجمهور العربي، وحين كان يستفيد من سماعه لمؤلفات كبار الموسيقيين العالميين، كان يمتلك القدرة المطلقة على اخضاع الموسيقا الغربية للمقامات العربية، وهذه مهمة صعبة للغاية، وناتجة عن ثقافة واسعة وخبرة طويلة وموهبة نادرة، ولهذا ترك بصمته الخاصة حتى على جمله المقتبسة، ونسبة الذين يسرقون ويقتبسون كبيرة، ولكن لا أحد منهم استطاع الوصول إلى أول درجة في السلم، الذي صعد عليه عبد الوهاب في بداياته . نخلص إلى القول: إن أمة بلا عباقرة، أفضل ألف مرة من أمة لا تكترث لعباقرتها ومبدعيها، وترى عمالقتها أقزاماً.
رؤية -أديب مخزوم