الملحق الثقافي:علم عبد اللطيف
الكتابة الآن.. هي غيرها في زمن مضى كانت الكتابة فيه للذات.. لم تكن خطابا، فالمتلقّي غير موجود في الغالب، وقد لا يقرأ ما كتبناه أحد.. لا في لحظة الكتابة ولا في القادم من الأيام، ويبقى في مستويات التفكير الداخلي، ولا يحقق نتيجته بالطبع بسبب عدم اكتمال حلقة الخطاب بالتلقي.
الآن الكتابة مختلفة، هي خطاب بالمعنى التقني والتأويلي، والغائي ايضاً، نكتب فيقرؤنا الكل فور ظهور الحرف، واذن.. كل كتابة هي موقف، وهي رسالة، رسالة لحظية تحمل طزاجة وقتها واصالته وحالته الحقيقية وصدقه، ولهذا كل حرف نكتبه يمثلنا في لحظة كتابته، وهي ميزة الكتابة في عصر الكتابة، منذ بدء التدوين كمؤسسة، وبعد ذلك في وسائل النشر السريعة والمتطورة.
نتذكر حالتنا من كتاباتنا، نستعيد ليس فقط موقفنا في زمن معين، بل حياتنا، وضعنا، واذن تكون (كنّا).. مستمرة غير ناقصة الفعل، باعتبارها صارت وثيقة موجودة لدى الغير، وهي بداية تحقق الخطاب مكتملاً بالوثيقة الكتابية، قبلها كان الخطاب الشفهي لا يحقق كماله باعتبار النقل لا يحقق الدقة الأمانة، واذن فإن الكتابة هي اثبات وجود الكاتب والمتلقي، وهي خطاب مكتمل بمرسل ومستقبل كما يقول الألسنيون، وبذلك تم التطوير السريع للفكر والثقافات في أوروبا بداية، ثم في مناطق أخرى من العالم، وأخذ أبعاده القصوى حين تحررت الأقلام من تابوات فرضتها المؤسسات الرقابية، المؤسسات الكهنوتية والسياسية والمجتمعية، بدا ان تقدم وتطور الثقافة يسير بفعل الحرية، حرية التعبير والفكر، فانطلقت الفنون بأجنحتها في فضاء مفتوح، وانفتح المجال امام العلوم كافة والاختراعات والاكتشافات.
وإذا كانت الكتابة كفعل إيجابي، تثبت الخطاب، فماذا عما لا نكتبه؟ ألا يحمل هو ايضاً دلالة وقيمة؟، ما نسكت عنه، ما نربأ عن قوله، الامتناع هنا هو فعل ايجابي يحمل أيضا قيمة الفعل، فأن لا ارى أحدهم يكتب، اعرف انه هو.. هو الممتنع بأسبابه، لكن ما يجب أن يكتب، يشترك به شعور جمعي، ويبدو كما لو انه يكتب فعلاً بدون أن يُقرأ وثيقة.
عدم الكتابة يحمل مستويات انتولوجية مختلفة، بدءاً من عدم الكتابة مطلقاً، ومروراً بكتابة ناقصة او مجتزأة، أو حتى مواربة، ويتضمن ايضاً موقفاً مفترضاً أو متحققاً من كاتب ممتنع عن الكتابة بسبب تابوات الكتابة.
من استقراء حالات الكتابة في العالم، ندرك أن لموانع الكتابة دور في عدم تحقق الخطاب الثقافي والإعلامي والفني، وزوال او تحلل أحد الموانع يتيح ظهور كتابات تم الافراج عنها، أي انها كانت موجودة بالفعل، ويصبح المسكوت عنه ليس في دائرة العدم المطلق.
في اميركا اللاتينية نلاحظ ان بدء اضمحلال او تخلخل بعض التابوات، أتاح ظهورا مهما للرواية اللاتينية، التابو الديني والمجتمعي بدا متراجعاً أو بحدوده الدنيا في مرحلة بناء الدولة الوطنية المتحررة من سطوة المؤسسات الدينية، وهذا كان كافيا بمقدار للتحرر من التابو المجتمعي، الجنسي والاجتماعي، واستطاعت الرواية في بلدان اميركا اللاتينة الوصول الى العالمية بسرعة.
ايضاً سنلاحظ ان لمنع الكتابة والكتب رسمياً او افتراضا، نتائج متغايرة ومستجدة، وتدخل الكتابة هنا ما يسمى سوق الكتب السوداء، يتم تبادلها وتسويقها خفية، ما يزيد في الاقبال عليها أكثر مما لو لم تمنع، وان كان ذلك يحدث في حيز محدود، من هنا نلاحظ ان الرقابة السياسية على الكتابة هي أدنى درجة من الرقابة المجتمعية والدينية، .
الكتابة المتحررة من اشتراطات المقاييس، هي مادة الفعل الثقافي والحضاري، وتقييد الكتابة هو تقييد لفعل التطور الإنساني والكوني، وان كان التاريخ يكتب ذاته بطريقته، وينتج مفاعيل أسبابه، دون أن ندري ربما، وحقيقة فإن الكتابة والفنون الإبداعية بعامتها، هي مرآة للحالة المجتمعية، تعكس الحرية كما تقدم التقييد والمنع بمرآتها، فما نكتبه هو نحن حقيقة، في حالاتنا المختلفة، حرية او تقييدا او امتناعاً.
في الغرب بدأت الكتابات الإبداعية مع مرحلة التنوير والعقلنة، فانطلقت الفنون والكتابات، وأتاحت للكشف والاختراع بيئة خصبة أنتجت الحضارة الحديثة، وفي روسيا ما قبل الثورة، كانت كتابة الروايات تحديداً، تعبيرا عن حرية الفكر والتفكير، جيل من الكتاب الكبار ما يزال العالم يهتم بإبداعهم، تركوا ارثا رائعاً ليس لروسيا فقط، بل للعالم والتاريخ، واختلف الوضع حين اختلفت معايير الكتابة في مناخ التغير السياسي، فتوقفت حالة الابداع كما لو انهها ماتت بالفعل، وقدم الوضع مشهدية لحالة مجتمعية، بدا فيها المسكوت عنه يوازي المقول او المكتوب، وان لم يكتمل خطاباً ثقافيا.
الكتابة ليست فعلا لا أخلاقيا بطبيعتها، واذا كان ثمة لاأخلاقية بالكتابة، فهو فعل لا يمت لمفهوم الكتابة من حيث هي رافعة الفكر والثقافية كمبدأ ومفهوم
التاريخ: الثلاثاء30-11-2021
رقم العدد :1074