الثورة – فؤاد مسعد:
انطلاقاً من مَثل قطرات الماء التي تسقط على الصخر لربما تحفر فيه وإن بعد حين، نعيد مع إطلالة الأيام الأولى من العام الجديد الأمنيات نفسها التي تتكرر كل مرة وتبقى برسم التأجيل المستمر من أعوام وأعوام، لا بل أحياناً قد تزداد وتتكاثر أملاً في أن تجد الصدى وتحفر لنفسها مكاناً فيتحقق ولو جزء منها في العام الحالي وهي تطول في مضمونها مختلف مناحي الحراك الفني، وكلنا أمل بأن تحمل الأيام القادمة الأفضل.
من تلك الأمنيات إعادة مهرجان دمشق السينمائي الدولي إلى الحياة بعد تعليق دورته التاسعة عشرة عام 2011، وتطوير مهرجان (سينما الشباب والأفلام القصيرة) ليمسي مهرجاناً دولياً، وتفعيل حضور المكتبة الوطنية السينمائية (السينماتك) التي أطلقتها المؤسسة العامة للسينما في تشرين ثاني عام 2019 ودعمها بالكتب والأبحاث السينمائية العربية والعالمية إضافة إلى سلسلة الفن السابع وزيادة عدد الأفلام فيها لتكون مركز إشعاع وتنوير سينمائي للمهتمين والباحثين، ومن الأمنيات أيضاً تحديث صالات العرض السينمائية وإنشاء أخرى في كل المحافظات السورية مجهزة بأحدث التقنيات وبأفضل الكراسي وكل ما من شأنه أن يجعل ظرف المُشاهدة فيها على أهم مستوى لتُعرض فيها أحدث وأهم الإنتاجات العالمية وبأسعار بطاقات مقبولة للعائلة ليُعاد إلى طقس العرض السينمائي ألقه من جديد الأمر الذي لا بد أن يكون للقطاع الخاص دور فيه، والأمر نفسه بالنسبة لإنشاء المسارح في مختلف الأماكن وتكون مجهزة بكل ما يلزم ليكون ظرف العرض لائقاً، وعودة مهرجان دمشق المسرحي لينبض من جديد.
إرساء تقاليد إنتاجية للدراما التلفزيونية وتكريسها سعياً للارتقاء بسوية العمل الفني وآليات إنتاجه ليمسي صناعة درامية تلفزيونية كاملة الأركان تماشي العصر، بعيداً عن المنظور الضيق والمصالح الشخصية والاستسهال والسعي للانتقال من الحالة الإنتاجية الفردية إلى حالة أرقى وأبقى توضع لها الخطط الفعلية ذات البعد المستقبلي، والعمل على إنجاز أعمال تحقق الفارق وتشكل فيصلاً حقيقياً من خلال سويتها ليتم تسويقها بالشكل الذي تستحق، بحيث لا يضيع الصالح ضحية للطالح خاصة أن أعمالاً هامة عانت في سنوات ماضية من موضوع التسويق حد الوأد، ومن الأهمية بمكان معالجة موضوع انحسار المبدعين الحقيقيين لصالح المتعربشين على المهنة، وألا يرضخ المنتجون لمتطلبات السوق وإملاءات الرأسمال، والعمل على وضع المحددات لبناء مشروع درامي وطني يحمل على عاتقه حلحلة العقد التي تعترض العملية الإنتاجية والتسويقية.
ومن الأمنيات منح الموهوبين فرصهم بحيث يكون اختيار الفنان لدور معين شرطه الموهبة والقدرة على إعطاء الدور حقه ومن الأهمية بمكان ألا يُقتنص جهد الآخرين وإنما إعطاء كل ذي حق حقه. وأن يتم العمل لإنعاش الأغنية السورية من جديد لأنها تمتلك المقومات لذلك وفتح شركات إنتاجية موسيقية وفنية تدعم مطربينا وعازفينا ليقدموا أغنيات ترتقي بالذائقة السمعية.
الأمنيات كثيرة وكثيرة جداً ولكن تحقيقها لن يكون عطية تهبط من السماء فجأة وإنما هو بيد أصحابها ويحتاج إلى عمل دؤوب صادق حقيقي وخطط ممنهجة تحمل في تفاصيلها بعداً للمستقبل، خاصة أننا نقف على أعتاب مرحلة تحتاج أدوات تناسبها وتحاكي مفرداتها، وأمام هذا الواقع هناك الكثير من العمل الذي ينتظر الجميع، كل وفق موقعه. وقد يقول قائل إن الكثير من الأمنيات السابقة فيها الكثير من الترف في وقت نعيش فيه ظروفاً تتطلب تحديد الأولويات، ولكن فات من يقول ذلك أن الفنون والثقافة من أهم الأولويات لأنها تساهم في بناء الإنسان خاصة أننا في مرحلة إعادة الإعمار، وبعد حرب ظالمة شنت على سورية ربما الجيل الجديد في أشد الحاجة إلى هذا النوع من الغذاء لما له من أهمية في ترميم النفوس وبناء أجيال متسلحة بالثقافة وبرؤيا حضارية جمالية مفعمة بالأصالة لتكون منطلقاً لبناء الحجر في سورية البلد الذي كان أبد الدهر مصدراً لإشعاع النور إلى كل أصقاع العالم، ودائماً الألف ميل يبدأ بخطوة.