تعرضت وتتعرض الأمة العربية وأقطارها لاستهداف مركب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى الآن وكان الغرب ولازال تؤازره قوى أخرى إقليمية ودولية طامعة بالأرض العربية وثروات الأمة تجهد في تمزيق ومحاولات تفتيت الأقطار العربية عبر أشكال متعددة من الأساليب والأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية أو إثارة النعرات والحساسيات الطائفية والعرقية والمذهبية وغيرها وبالتوازي مع ذلك كله تتعرض فكرة العروبة لهجوم غير مسبوق من قوى شعوبية حملت العداء التاريخي للعرب بوصفهم أمة لها حضارة وتاريخ ورسالة استطاعت حين توحدت كلمتها وإرادتها وروحها أن تقيم أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ البشري امتدت من حدود الصين شرقاً حتى شبه الجزيرة الإبرية غرباً وعلى مدى ثمانية قرون ونيف تخللتها بالطبع حالات مد وجزر شأنها شأن أيّ إمبراطوريات كبرى عرفها التاريخ كالرومانية والفارسية والعثمانية وغيرها بحكم الصراعات على السلطة أو ضعف المركز وقوة الأطراف أو العكس كما كان زمن الخلافة العباسية.
إن معاينة الواقع العربي راهناً برؤية تحليلية ومقاربة تاريخية وموضوعية تأخذ في الاعتبار واقع العلاقات الدولية والقوى الفاعلة فيها وطبيعة وشكل التحالفات القائمة أو المتوقعة والدينامية التي تحكمها تشير بشكل واضح إلى أن العالم مقبل على شكل آخر من أشكال القوة وبناء عناصرها عبر معطيين أولهما تعزيز القوة الذاتية لكل دولة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ومعرفياً وعلى المقلب الآخر بناء تحالفات وشراكات اقتصادية وعسكرية وأمنية مع قوى آخرى في المحيط الإقليمي وخارجه أي تبني إستراتيجيات فعالة تمكن تلك الدول من تحقيق أمنها القومي وحفظ سلامتها الإقليمية والتشبيك مع القوى الفاعلة على مستوى الساحة الدولية في عالم بات واضحاً أن لا مكان فيه إلا للأقوياء.
عالم باتت أجواؤه تشير إلى أن حمى الاستعمار والهيمنة والتوسع لم تغادره قط ويخطئ من يعتقد أنها أصبحت في متحف التاريخ ولعل ما يجري بين الغرب وروسيا من جهة والولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية من جهة أخرى هو أهم دليل على ما نذهب ونشير إليه فالواضح أن الغرب بضفتيه لا يرغب أو يسمح إن استطاع بأن يمسك الشرق دفة الحضارة وقيادة العالم أو حتى المنافسة في ذلك.
أمام هذا الاستقطاب الحاصل يبدو أن المنطقة العربية بحكم موقعها الجغرافي الهام وغنى ثرواتها وما تمتلكه من عناصر قوة ترجيحية في ميزان الصراع القائم هي ساحة المنافسة الأبرز بين تلك القوى فكسبها أو السيطرة عليها من قبل أي طرف من أطراف الصراع أو المنافسة القائمة سيعني الفوز الربح الاستراتيجي والقبض على دفة الصراع وبوصلته بحيث يتحول الأخرون إلى تابعين أو ملتحقين وخارج ساحة وملعب المنافسة أو في أسوأ الأحوال التحييد وهنا تتحقق للمنتصر الراحة الاستراتيجية بحيث يعيد ترتيب أولوياته وعناصر قوته بهدوء تام واستقرار مديد.
والسؤال الذي يفترض أن يطرح علينا جميعاً بوصفنا أبناء أمة أو نطرحه على أنفسنا وهذه مسؤولية الجميع من نخب فكرية وسياسية ومجتمعية وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وأهلي ما المطلوب القيام به أمام هذا المشهد الذي يبدو متحركاً وبديناميكية عالية لا تعطي فرصة للانتظار ولا تسمح لأحد أن يكون خارج السكة أو على قارعة الطريق وهل سنتحول إلى وقود احتراق أو ميدان وساحة قتال أو اقتتال أو مكسر عصا لتلك القوى إن لم نقل أدوات ومراكب في رحلة مجانية كما يحلوا لبعض كتاب الغرب ومراكز أبحاثه تسميتها والسؤال هنا: أما آن لرجل الزمخشري أن تتمدد؟ لقد عج تاريخ العرب وتراثهم الشفهي والمكتوب في ذكر الكثير من الأمثلة والحكم والخلاصات في ضرورة أخذ العبر من دروس التاريخ منذ سقوط آخر معاقل العرب في الأندلس 1492الى احتلال القدس على مرحلتين 1948و 1967 ولكن كيف لنا أن نحول ونترجم كل تلك الطاقات والانفعالات إلى فعل ناجز ومنجز على الأرض فاستشعار الخطر وتشخيص الحالة لا معنى لهما دون فعل حاسم وعمل جاد ومسؤول يضع الجميع على صعيد واحد بعيد عن كل حساسيات ومصالح ضيقة وأنانية انتهازية سياسية مقيتة مكشوفة ومخادعة ستجعل المتلطين أو المخدوعين بها سيرددون في يوم ما القول المأثور: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
اضاءات – خلف المفتاح