لم يكن لقرار المصرف الزراعي التعاوني الذي صدر منذ أيام وقضى برقع سقف القروض إلى 500 مليون ليرة سورية لتمويل منشآت الإنتاج الحيواني و الزراعي، ذلك الأثر المتوقع رغم ايجابيته، لأن التجارب أكدت أن مشكلة الزراعة والاستثمار الزراعي عموماً – ولاسيما الحيواني- ليست في التمويل على الإطلاق، وإنما في مكان آخر تماماً..أي الإجراءات والقرارات وتوفر مستلزمات الإنتاج .. وبالتالي يعتبر الخبراء في الاستثمار والعارفون في هذا المجال أن القروض لن تكون ميزة في بيئة استثمارية غير مستوفية الشروط، وإنما هي -القروض- مشكلة بالنسبة لهم، عندما (يتورطون) بالحصول عليها ولاينجحوا باستثمارها بسبب إما نقص الأعلاف أو اللقاحات البيطرية والأدوية وإشكالية نقص المحروقات وتكاليف وسائل النقل ومجموعة المشكلات التي يمكن أن تثني أي مستثمر عن المجاذفة بمشروع من هذا النوع .
ويعلم الريفيون كما المتابعون عن قرب أن بضعة رؤوس قليلة من الماعز أو الأغنام أو حتى الأبقار يمكن أن تحقق متوالية تكاثر صاعدة خلال سنوات قليلة، ويصبح لدى من يرغب بالاستثمار في هذا المجال أعداداً كبيرة من الماشية… لكن المشكلة كيف سيؤمن ما تحتاجه من الأعلاف واللقاحات والأدوية والطبابة البيطرية وما الى ذلك من احتياجات.
يقول أحد الخبراء إن دعم الزراعة عموماً لا يكون بتقديم القروض، وإنما بالقرارات والتسهيلات الإدارية.. وإيلاء القطاع أولوية بالحصول على المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل أي منشأة أو أي مطرح للإنتاج النباتي أو الحيواني..من اللقاحات إلى الأعلاف إلى الأسمدة بالنسبة للشق الزراعي، وكذلك الإعفاءات من دوامة البيروقراطية والروتين التي يقع فيها من يرعب بالاستثمار كما أي استثمار آخر.
نحتاج اليوم إلى نظرة جديدة ومختلفة للاستثمار الزراعي باعتباره أولوية متقدمة على كل أنواع الاستثمارات، نظراً لحيثية الظرف الراهن لأنه يتعلق بالأمن الغذائي أولاً، و ثانياً لأن سورية بلد زراعي كميزة أولى متقدمة في تصنيف الاقتصاد، وبالتالي يجب أن نولي هذا القطاع أهمية خاصة ونتوجه له مجدداً بحزمة من القرارات للنهوض به، لأنه في الواقع يعاني إشكاليات معقدة.. ظهرت من خلال تراجع المساحات المزروعة، وتراجع أعداد رؤوس الماشية وإحجام المربين عن الإستثمار في الإنتاج الحيواني، وهذه معطيات موثقة لدى وزارة الزراعة حتى لو تحفظت الأخيرة على نشرها وتداولها..
باختصار لم تعد إعادة النظر بقطاع الزراعة خيار، ولم تعد ترف بالنسبة لإعادة دعمه والإقلاع به مجدداً، وإنما ضرورة لازمة لأن الأمن الغذائي بات إلى حد ما في خطر نظراً للظروف الدولية والإقليمية، وكذلك الظرف المحلي المتمثل بحرب إرهابية على البلاد منذ عشر سنوات، أدت إلى تقهقر كل مكونات الاقتصاد ومنها الزراعة، وربما يعلم الجميع أن أكثر القطاعات التي يمكن دعمها فعلاً هي القطاع الزراعي..القطاع الأكثر جدوى والأهم على الإطلاق ..قطاع الميزات والمقومات الكثيرة، قطاع تحويل التراب إلى نقود.
الكنز – نهى علي