كل شيء في الدنيا يحتاج إلى المال، فلا خدمات دون مال متدفق إلى الخزينة (أي خزينة) ولا تدفق إليها دون نشاط اقتصادي أم خدمي، وهذان الاثنان لا يمكن لهما العمل دون مال، لتعود الكرّة كما كانت منذ البداية.
الخزينة العامة للدولة تئن تحت وطأة متطلبات كثيرة لا أول لها ولا أخر وتدفقاتها النقدية شحيحة وبالكاد يدفع من يتوجب عليهم ذلك، ولو لم يكن ذلك صحيحاً لما سمعنا وقرأنا بشكل دائم عن غرامات تُفرض عليهم، بدءاً من أسباب التهرب الضريبي، وصولاً الى الامتناع عن سداد مستحقات تمولوها من المصارف.
وباعتبار الشجرة الضريبية تبدأ من كبار المكلفين الذين يفترض بهم النهوض بالجزء الأكبر من العبء الضريبي، وتنزل إلى متوسطيهم درجة وتكليفاً، وصولاً الى صغار المكلفين أو معدوميهم، وهؤلاء لا يمكن التعويل عليهم في شيء، فهُم بالكاد يتحضّرون للمعركة الشهرية مع متطلبات الإنفاق والاحتياجات، وباعتبار ذلك يبرز السؤال عن دور الاتحادات الاقتصادية في تحمّل مسؤولية أعضائها.
القضية أن اتحادات غرف الصناعة والتجارة يفترض بها لعب دور الوسيط أو صلة الوصل بين مجتمع الأعمال والحكومة بأجهزتها المختلفة، فتراها تمطر الوزارات والمؤسسات بكتب الاستفسار والمطالبة والطلب عند حاجة أعضائها، في حين يختفي دورها تماماً في تحصيل بعض الحقوق العامة كالقروض والمستحقات الضريبية، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية لعبها دوراً جباراً في إلزام الصناعيين والتجار بالالتزام.. طبعاً بالنسبة لغير الملتزمين.
يمكن والحال كذلك وضع هذه الاتحادات أمام مسؤولياتها الحقيقية، لجهة إمكانية خلق قناة مباشرة ما بين الجهاز الضريبي مثلاً واتحادات الصناعة والتجارة، بحيث يُلزم المدين من خلال غرفته بدفع المستحقات، وبغير ذلك يمكن تطبيق عقوبات تتراوح بين عدم مؤازرته في مطالبه وصولاً إلى تجميد العضوية في الغرفة صناعية كانت أم تجارية، وعلى ذلك يسير الأمر إن بدأ.
لا يختلف اثنان على أرباح مجتمع الأعمال ولا سيما خلال فترة الحرب وعقابيلها المستمرة حتى الأن، ما يعني القدرة الكاملة على سداد كافة المستحقات دون الوصول إلى مرحلة الحجز أم التدقيق الضريبي وسواها من الأساليب التي ما كانت لتطبق لو قامت الغرف التخصصية بهذا الدور.
ليست المسألة دعوة للتضييق بل هي كفّتي ميزان يجب أن تكونا متعادلتين، فكما ينجح التاجر والصناعي في رفع أسعاره لما يفوق سعر الصرف تحسباً لارتفاعات مقبلة حرصاً على رأس ماله (كما يزعم جلّهم)، يمكن له أن ينجح في تبرئة ذمته تجاه الخزينة، على الأقل حتى لا يكون المجال مفتوحاً للتفاهمات التي يضج فيها أصحاب الأعمال في كل مناسبة ويذمّون اضطرارهم لها، تلافياً لتسلّط موظفي بعض الجهات التنفيذية.
أما الأمر الأخير فهو السؤال عن سبب اضطرار من يتفاهمون للتفاهم إن كانت سجلاتهم ناصعة.