ونحن إذ نتنقل في بلدان العالم شرقاً وغرباً، ونزور عواصمها تحمينا قوانينها التي تضبط العلاقات بين الناس فلا تعد، ولا تجاوز يُسمح به لأحد على حساب غيره، ولو تصادف أن غريباً وقع في مأزق، وطلب نجدة الشرطة لوجدها في دقائق معدودة إلى جانبه لتسعفه، وكذلك الأمر لو أنك في بلدك.. وسواء أكنت فيه أو في غيره فالموقف ذاته قد يحصل.. لكن أمراً واحداً يجعل الاختلاف كبيراً بين هذا وذاك.. بين أن تكون هنا، أو هناك وأنت تتحرى مشاعرك العميقة.
فماذا لو حصل ذات يوم أنك فتحت باب بيتك لتخرج منه إلى عملك فوجدت كلباً أسود ضخماً يجثم عند بابك، وما إن يراك حتى يستنفر قواه، ويقف على قوائمه، فينبح وهو ينظر إليك بعينين غاضبتين يكاد يتطاير منهما الشرر.. فهل ستعود إلى الوراء خائفاً وأنت تغلق بابك دونه، وعلى الأغلب أنك ستفعل، أم أنك ستفكر بالأمر قليلاً، ثم تتجرأ، وأنت تشحذ نفسك بالشجاعة الكافية لتخرج إلى موجهة ذلك الوحش الذي يتربص بك؟.. معادلة صعبة فلربما كان الكلب مسعوراً فانقض عليك، أو ظن أنك لص، وعليه أن يهاجمك مدافعاً عن المكان، وقد أصبح في عهدته ليمنع عنه الأشرار، وأنت أصبحت في لحظة واحدة منهم.. معركة لو تحققت بينك وبينه ستكون أنت الخاسر فيها بجراح ملوثة ربما.
وإذا استقرت معادلتك مع الوحش الأسود بعد أن ناقشت بينك وبين نفسك ما أنت مقدم عليه، وتأكدت أن مسافة الأمان مع الوحش الغاضب لا تكفي لحمايتك منه، وقررت أن تلجأ إلى مَنْ ينجدك من ورطة غير متوقعة وجدت نفسك على غير موعد معها، وفي مواجهتها، لوجدت نفسك بالتالي خجِلاً ممن جاؤوا من القائمين على نجدتك من أنك تهورت، وربما تسرعت واتصلت بهم للإنقاذ.. ذلك لأنك لا تتعرض إلى خطر حقيقي يتهدد حياتك، ويستدعي معه طلب النجدة بل لتهديد سخيف من كلب شارد.. لكن ما من حلول أخرى تسعفك بعيداً عن المجازفة بسلامتك.
قد يحصل هذا الأمر معك في بلاد غريبة وأنت الغريب فيها، وقد يكون الحدث في وطنك، والأمر سيّان، فهناك مَنْ يسعف، وهناك مَنْ ينجد، لكن أمراً واحداً يختلف بين هذا وذاك، بين أن تكون غريباً في بلد ما، أو أن تكون في وطنك.. فهو ليس الإنقاذ فقط بقدر ما هو ذلك الشعور بالأمان، وتلك الطمأنينة التي يسربها إليك متعمداً مَنْ تعود أصوله إلى أصولك، وجذوره إلى جذورك.. وسواء أكنت في بلدك الأم، أم في أي بلد عربي غيره فالإحساس هو ذاته، ونبض الشعور هو واحد أيضاً.
فذلك الذي لبى نداءك هو لا يقطن بعيداً عن مدينتك، أو ربما عن حيّك، وربما كان من جيرانك في الشارع الموازي لشارعك، أو أنه من أقرباء هؤلاء الجيران، أو ممن قد تلتقيهم في مسجدٍ، أو كنيسة.. أو باختصار هو ليس بذلك الغريب عنك الذي اكتفى بأداء مهمته، وانصرف، بل إنه ابن وطنك الذي إذا ما جاء لينجدك فإنه يفعل ذلك ليس من خلال موقعه الوظيفي فقط بل بحماية الأخ لأخيه، وبعاطفة الانتماء التي تربط بينك وبينه، كما بين كل أبناء الوطن الواحد مهما امتدت حدوده في أسرتنا العربية.
وإذا كان الانتماء إلى الأوطان يُجسد بألف صورة وصورة فهذه واحدة منها.. حادثة عابرة ليست هي ما استوقفني وإنما صداها وأنا اتحسس نبض القلب بين مَنْ ينجد، ومَنْ يستنجد.. بين مَنْ يفرد جناح الحماية فوق كتف أخيه، وبين مَنْ يستكين مطمئناً لذلك الجناح بعد أن شعر بأمن وأمان تسرب إثر خطر كاد أن يصل إليه.. إلا أنه في حقيقته جناح وطن يحنو عليك مهما قست في دربك الأزمان، فأنت لست بذلك الغريب الذي نال حمايته فقط بعد أن أغلق باب سكنه، وانتهت أزمته.. بل إنك مَنْ عثرت على المعنى في أن تكون في وطن هو بيتك.
* * *