ما وراء الأكمة.. التنافس الاقتصادي والحرب التجارية!

الثورة – عبد الحليم سعود
صعَّدت الزيارة الاستفزازية التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان مؤخراً من وتيرة التنافس والخصومة والعداء بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية، ولاسيما أنها أتت في إطار تحدي النهج الذي تتبعه بكين إزاء علاقتها بتايبيه والقائم على مبدأ “صين واحدة” وضرورة عودة الجزيرة المنفصلة من جانب واحد إلى السيادة الصينية أسوة بهونغ كونغ، حيث ترجمت زيارة بيلوسي رغبة واشنطن بالتدخل في الشؤون الداخلية للصين وتشجيع تايوان على القطيعة النهائية مع وطنها الأم، وهو نهج أميركي يرى فيه الكثير من المتابعين بأنه انعكاس للغضب الأميركي من التطور الاقتصادي الصيني وبروز بكين كقوة اقتصادية عالمية باستطاعتها أن تتجاوز واشنطن وتسحب البساط من تحت أقدام هيمنتها في الكثير من المناطق الحيوية في العالم.
وعلى غرار الحرب الأوكرانية التي أججتها واشنطن في شرق أوروبا بين روسيا وأوكرانيا نتيجة إصرارها على محاصرة روسيا وضم كييف إلى حلف الناتو المعادي لروسيا، تحاول واشنطن عبر افتعالها للتوترات بين بكين وتايبيه أن تجرهما إلى صراع مسلح يخدم الاستراتيجية الأميركية في شرق آسيا والتي عبَّرت عنها إدارة أوباما ذات مرة والقائمة على اعتبار الصين الخطر المستقبلي لواشنطن.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية يُنظر للصعود الصيني على نطاق واسع بأنه خطر يهدّد مكانة أمريكا المهيمنة على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ففي أول لقاء له مع وسائل الإعلام بعد استلامه السلطة في أكد جو بايدن أن الصين هي المنافس الأول لأمريكا في العديد من المجالات، خاصة الاقتصادية منها، حيث أمر بالشروع في مراجعة شاملة للمقاربة الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية للمخاطر التي تشكّلها بكين، وأكد أن إدارته لن تتردّد في استخدام القوة لحماية الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى الرغم من هذا، فإن فكرة التوسّع الاقتصادي والعسكري الصيني الذي لا يمكن وقفه وفقدان القوة النسبية للولايات المتحدة تستند في كثير من الأحيان حسب بعض الباحثين إلى افتراضات وتوقعات مشكوك فيها.
يعتقد العديد من الباحثين داخل أمريكا وخارجها، بأن الصين حالياً وبالنظر للمقومات التي تمتلكها تعدّ الدولة الوحيدة تقريباً القادرة على مزاحمة أمريكا بشكل فعلي على قيادة العالم، كما أن الصين لا تهدّد مكانة أمريكا كقوة عظمى رائدة فحسب، بل تهدد أيضاً الامتيازات والمزايا الاقتصادية التي تنجم عن هذا الوضع المتميز.

 

اقرأ في الملف السياسي..

لإشغال بكين.. البيت الأبيض يبحث عن المزيد من الأزمات
من وجهة نظر عملية، تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي وفق ثلاث آليات رئيسية: الآلية الأولى مالية – اقتصادية، باعتبار أمريكا أكبر اقتصاد في العالم، حيث يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 21.4 تريليون دولار سنوياً، كما أن الدولار الأمريكي يعدّ العملة رقم واحد في التعاملات التجارية الدولية، حيث يشكل80٪ من مجمل المبادلات التجارية العالمية.
الثانية تكنولوجية، فالولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على الفضاء الالكتروني بشكل عام (الإنترنت)، كما أن كبرى شركات التكنولوجيا في العالم والمسيطرة على هذا المجال أمريكية مثل: مايكروسوفت، وشركة ألفا بت (المالكة لـ غوغل)، وأبل وفيسبوك.. بالإضافة إلى التفوق العسكري حيث تمتلك الولايات المتحدة حوالي 800 قاعدة عسكرية في 70 دولة وإقليم في أنحاء العالم، مع إنفاق عسكري سنوي يتجاوز 700 مليار دولار، وهو ما يمثل 38 ٪ من مجموع الإنفاق العسكري العالمي.
تعكس هذه الأرقام الهيمنة الأمريكية على العالم بشكل واضح في كل المجالات تقريباً، إلا أنه ومنذ صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في النظام العالمي، لم تعرف تحدياً مثل الذي تعرفه اليوم مع الصعود الصيني، فخلال فترة الحرب الباردة مثَل الاتحاد السوفييتي (سابقا) التحدي الأكبر للسيطرة الأمريكية، ورغم القوة العسكرية الهائلة للاتحاد السوفييتي إلا أنه كان «أقل قوة» اقتصادياً مقارنة بأمريكا، وأحد الأسباب التي أدت إلى انهياره في نهاية المطاف هو ضعفه الاقتصادي، وحتى روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي ليست في مقام يمكنها لوحدها في الوقت الحالي من تهديد مكانة أمريكا كقوة مهيمنة.

ويرى الكثير من المتابعين أن ما يصطلح عليه «بالحرب التجارية»، الجارية حالياً بين بكين وواشنطن، هي حرب معلنة من طرف واحد(أمريكا)، وهي ردة فعل أمريكية على التفوق الصيني في مجالات اقتصادية عدة، نظرياً تعتبر أمريكا أكبر اقتصاد في العالم، لكن من الناحية العملية والإحصائية وفق معايير الاقتصاد الحقيقي، فإن الصين تفوقت على أمريكا في العديد من المجالات الاقتصادية، حيث تعتبر الصين أكبر دولة في العالم من حيث الصادرات، وبلغت قيمتها سنة 2019، 2500 مليار دولار، متجاوزة أمريكا التي بلغت صادراتها ما قيمته 1650 مليار دولار فقط، ولا تعدّ الصين أكبر دولة مصدرة في العالم فحسب، لكنها أيضاً أكبر دولة تجارية في العالم من حيث الميزان التجاري، إذ سجّلت الصين فائضاً تجارياً مذهلاً في عام 2019 والذي بلغ أكثر من 422 مليار دولار، ويمثل إجمالي صادرات الصين أكثر من 17% من ناتجها المحلي الإجمالي، مع العلم أن أمريكا تعاني من عجز في ميزانها التجاري، حيث تفوق الواردات قيمة الصادرات، ويتمّ تغطية العجز بطباعة مزيد من الدولار كل سنة.
وحسب موقع «ايكونوميك تايمز» بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين في السلع والخدمات نحو 648 مليار دولار، وبلغت قيمة صادرات الصين لأمريكا نحو 478 مليار دولار، بينما تبلغ الصادرات الأمريكية إلى الصين نحو 169مليار دولار، في تفوق واضح للصين.
استناداً إلى ما تقدم تدرك أمريكا جيداً هذا التفوق الصيني، وتخشى من عدم قدرتها على إيقافه أو كبحه، أو تعطيله وهذا ما تجلى في السياسات الحمائية والعقوبات الاقتصادية التي طبقتها إدارة دونالد ترامب ضد الصين، والإدارة الأمريكية الجديدة تواصل تقريباً بنفس النهج، خاصة أن مجال المناورة ضيق جداً مع التنين الصيني، وتسعى إدارة بايدن للضغط بملفات كلاسيكية على بكين، كملف حقوق الإنسان في منطقة تيمور الشرقية (الإيغور)، والتدخّل في هونغ كونغ وتايوان، وهذا ما عكسه آخر لقاء سياسي بين الصينيين والأمريكيين في ألاسكا منذ أيام (18 آذار 2021).
إذا يمكن القول بثقة أن قضية تايون تشكل جزءاً من التنافس الصيني الأميركي ذي الخلفية الاقتصادية، وأن كل ما يفتح من ملفات جانبية للضغط على الصين هدفه عرقلة نموها الاقتصادي، وقد انتبهت الصين جيداً إلى هذه النقطة، ولذلك فهي تتصرف بحذر كبير إزاء الاستفزازات الأميركية في تايوان، وبنفس الوقت تواصل تطورها الاقتصادي عبر تكوين شراكات اقتصادية عالمية كبيرة من خلال “مبادرة الحزام والطريق” و”مجموعة بريكس” وغيرهما، وتحاول تجاوز معضلة الدولار كعملة عالمية مهيمنة عبر اقتراح بدائل من بينها عملة ألكترونية مشفرة “اليوان الرقمي”، وتسعى الصين لتحويلها لعملة للتبادل التجاري مع بعض الدول كخطوة أولى، لكسر هيمنة الدولار على المعاملات المالية وبالأخص مع حلفاء الصين، مع العلم أن نظام عمل العملات الرقمية المشفرة يختلف تماماً عن نظام السويفت المالي الذي تسيطر عليه أمريكا حاليا وتمر عبره 80٪ من التحويلات المالية العابرة للحدود.
ولعل أكثر ما يقلق واشنطن هو قيام تحالف صيني – روسي في المجال العسكري والاقتصادي لتغطية النقص لدى الطرفين، فروسيا تريد تغطية ضعفها الاقتصادي من خلال الصين المتفوقة، أما الأخيرة فتحاول بكل تأكيد الاستفادة من روسيا وخبرتها الكبيرة من مجال الصناعات العسكرية.
ولذلك فإنّ التراجع الأميركي لصالح هاتين القوتين الصاعدتين أصبح حقيقة لا تخطئها العين، وهذا ما يجعل واشنطن في موقع لا تحسد عليه.

 

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق