إيهاب زكي- كاتب فلسطيني:
لم تكن الحرب على سورية منذ شرارتها الأولى، سوى حرب “إسرائيلية”، “إسرائيلية” الأهداف والتخطيط والمسار والاستدراك، لكن النتائج لم تكن “إسرائيلية”، بل كانت على النقيض تماماً، حيث إنّ ما كانت تسعى إليه من تفتيتٍ وإضعافٍ وشرذمة، أصبح تماسكاً وقوة واتحادا.
كان الهدف “الإسرائيلي” من الحرب على سورية، هو تحطيم سورية بما تمثل من موقف وموقع في الصراع العربي- “الإسرائيلي”، وبما تمثل من حلقة وصل لمحور المقاومة وعمق استراتيجي لكل حركات المقاومة في فلسطين ولبنان خصوصاً، وانتصار كيان إسرائيل المؤقت في سورية، كان يعني عزل إيران وحصار حزب الله وتآكل المقاومة في فلسطين.
لكن الصمود السوري جعل من تلك الأهداف مجرد أوهام، وبدت ملامح محور المقاومة وفي القلب منه سورية، أكثر وضوحاً وأشد ثباتاً، بل أكثر من ذلك، حيث إنّ الصمود السوري أعاد التوازن للعلاقات الدولية، حيث إنّ التدخل الروسي في سورية جعل العالم يتجه نحو نهاية القطبية الأحادية، وأصبحت مساحة الهيمنة الأمريكية تضيق أكثر، والنفوذ الأمريكي يتضاءل أكثر.
هذه النتائج العكسية، جعلت الكيان المؤقت في حالةٍ مزرية، فالخطة”ب” لم تكن على جدول أعماله، حيث إنّ سقوط سورية كان يقيناً لدى صانع القرار “الإسرائيلي”، بل كان مجرد الحديث عن صمود سورية، واستحالة سقوطها مدعاةً للتهكم، حتى في الوعي الجمعي العربي والعالمي.
بالإضافة لذلك فإنّ الكيان المؤقت يعيش في حالة غلّ يد، فمساحة حركته العسكرية أكثر ضيقاً، فيده مغلولة في لبنان، ومغلولة عن إيران، حتى في غزة المحاصرة ليست يده مطلقة الحرية، بينما الحالة السورية بكل تعقيداتها السياسية والميدانية، توفر له بعض المساحة، ليجعل منها حالة استعراضية معنوية.
خصوصاً أنّ هناك صراعاً محتدماً يعيشه الكيان المؤقت، على بوابة الانتخابات المقبلة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، حيث كانت معركة “وحدة الساحات” والعدوان الأخير على غزة، جزءًا من الهدايا الانتخابية، التي قدمتها المؤسسة العسكرية لكلٍ من بني غانتس ولابيد، في مواجهة نتن ياهو.
وهذا ما ينطبق على الاستهدافات المتكررة لسورية، بالإضافة لكون هذا العدوان المتكرر على سبيل البديل للخطة “ب”، التي لم يتوقع العدو أن يحتاجها يوماً، ويأتي كذلك في إطار السعي الأمريكي للضغط على كلٍ من روسيا وإيران.
ولكن بعيداً عن الخسارات المادية والمعنوية لتلك الاستهدافات، هل سيحقق الكيان المؤقت أهدافه؟ بالقطع لا، وهي لا كبيرة وليست مجرد لا، حيث إنّ ادعاءاته عن منع وصول أسلحة كاسرة للتوازن لحزب الله، أصبحت دعابة شديدة السُخف، كذلك فإنّ سورية ليست في وارد تغيير مواقفها والاستسلام للإرادة الأمريكية أو الرغبات الصهيونية.
أمّا الخسائر المعنوية ومحاولة الكيان خدش الانتصار السوري، أو إعاقة وصول القافلة لوجهتها النهائية، قد تقترب من نهايتها في كل وقت، قد يكون الآن أو اليوم أو غداً، والكيان لم يعد يحتمل ساحة أخرى، تُغلق أمام استعراضاته عديمة الجدوى الاستراتيجية، حيث قد يقرر صانع القرار السوري في أيّ لحظة، حرمان الكيان من هذه الطاقة التي يستعرض فيها، بمجرد الإعلان عن ردودٍ لا تكتفي بالتصدي فحسب.
