الملحق الثقافي- سهيلة إسماعيل:
قد تصلح عبارة « سوريون تحت المقصلة « عنواناً لحدث إخباري، أو هكذا يتخيل المرء، لكنه في الحقيقة هو عنوان الرواية الأولى لابنة مدينة حمص سوزان موسى درة وقد آلمها ما حدث في سورية عامة وفي حمص وحلب خاصة، لأنها تعشق المدينتين؛ ففي حلب كان مكان عملها ومسكنها لمدة طويلة، وحمص مسقط رأسها، وكانت تنتقل بين المدينتين، فترجمت ألمها وحزنها وتأثرها الكبير عبر منتجها الأدبي الأول « سوريون تحت المقصلة» لتنقل لنا بواقعية وصدق كبيرين أحداث شاهدتها وشهدتها عن كثب، أحداث مفصلة عبر الزمان والمكان، بأسلوب سلس ولغة واضحة ومفهومة، مع التعريج على ألمها الذاتي المتجلي بفقدان عدد من الأحبة والأصحاب في حرب لم توفر لا الحجر ولا البشر، حرب أثقلت كاهل الكاتبة كما أثقلت كاهل جميع السوريين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم الحزبية .. على أن الكاتبة وفي كلمتها التعريفية بالرواية حددت زمن توالي أحداث الرواية يمتد بين عامي 2011 و2017، أحداث واقعية وشخصيات عايشتها عن قرب، كن بأسماء مستعارة، مضيفة بأن المجتمع السوري ما زال أسير بعض العادات والتقاليد البالية الموروثة وهي بمجملها لا تقل خطورة عن الحرب، فنحن – برأي الكاتبة – صناع حرب بامتياز وأن الثورة الحقيقية تبدأ بإصلاح النفس البشرية قبل أي شيء آخر ليبدأ بعد ذلك إصلاح الأشياء الأخرى.
عالجت درّة جوانب عدة في 183 صفحة من القطع الكبير، منها الجانب الاجتماعي وما يحصل في بعض البيئات المنغلقة والمحكومة بموروث اجتماعي لا تتخلى عنه, وهو يشكل خطراً على البنية الاجتماعية ويقف عائقاً في تطور وتقدم المجتمع، أما في الجانب السياسي فبدا تأثير الحرب والنزاعات الدولية وما حدث على أرض سورية هو المسيطر والمؤثر على سير أحداث الرواية وما انعكس من إرهاصات سلبية، على البنية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا الجانب كان المحفز الأول لما خطته يد الكاتبة من سرد واقعي جميل بدا انفعالياً في بعض الفصول وهادئاً في فصول أخرى .. حتى يخال لنا ونحن نقرأ الرواية أننا نسمع قطعة موسيقية تتناوب فيها النغمات بين منخفضة حيناً ومرتفعة حيناً آخر.
حظيت الرواية بندوة نقدية أقامها اتحاد الكتاب العرب في حمص بداية الشهر المنصرم, حيث اعتبرت الأديبة غادة اليوسف أن الرواية أظهرت صوتاً أنثوياً روائياً جديداً في المشهد الأدبي السوري يستحق التشجيع للمضي نحو إنجاز أعمال جميلة أخرى تعكس الواقع وتكون بمثابة وثائق ومصادر لتدوينه بكل مصداقية.
بينما رأى الناقد نزيه ضاحي أن الرواية تنضم إلى أبجديات روايات أخرى تحدثت عن الحرب السورية, وهي تبحث في نتائج وأهداف تلك المحرقة المؤلمة، فقد تمكنت الكاتبة من إثبات استمرارية اتقاد شعلة الحياة في سورية لتبقى تضيء وجه المشرق ويظهر ذلك من خلال دعوات الكاتبة الصادقة إلى استثمار معطيات الأزمة واستنهاض الهمم لإعادة بناء الإنسان والتعايش السلمي ونبذ التعصب بمختلف أشكاله.. فتقول الكاتبة :» ستنتهي الحرب، ورغماً عن كل رؤوس الإرهاب ستنتهي، ربما ليس في الغد ولا في العام القادم لكنها ستنتهي وعندئذٍ لن أنوح ما مضى وأرثيه كمن لا أمل لهم بالبقاء ولن أبكي دموع الفرح كعاشقة عند لقاء الحبيب .. لن أهرع للعرس الجماهيري ولن أصفق لعظات المسؤولين .. ما سأفعله مختلف تماماً؛ سأزأر كلبوة مفترسة وأناشد جميع الأسود لننهش عظام الخراف التي ستعيد اللقمة إلى فمها وتحاول مضغها من جديد, سأزأر كلبوة مفترسة حتى لو كلفني الأمر أن أقبِّل جميع الأسود وفي أعالي جبالك يا سورية فلا يكتمل الاحتفال إلا بهمس النساء».
وحسب الكاتبة فإن للرواية جزءاً ثانياً سيصدر قريباً, والرواية صادرة عام 2018 عن دار الحوار للطباعة والنشر والتوزيع في مدينة اللاذقية.
العدد 1111 – 13- 9-2022