الثقافة روح التنمية ودعامتها

الملحق الثقافي- لينا ديوب:

ثمة من يقول إن الثقافة لا تقتصر على إنتاج المعرفة (كتب علمية، مسرح، أدب وغيرها)، إنما هي تشمل مجمل علاقات الإنسان بما يحيط به، أي إن المجتمع لا يكتسب شرعيته الحضارية من قدرته على صياغة المعرفة فقط وإنما على تمثلها من قبل أبناء هذا المجتمع في سلوكهم وعلاقاتهم فيما بينهم.
تتأثر ثقافة المجتمع بالمرحلة التاريخية التي يعيشها المجتمع، يخبو الإنتاج الثقافي، تتغير القيم، ينحو سلوك الناس مناحي مختلفة، أو تزدهر وتعطي المزيد من الإنتاج الذي يغني الحياة ويفيد الانسان، عليه يمكننا السؤال هل حياتنا الثقافية اليوم بعد حرب عشر سنوات وحصار اقتصادي، تشبه حياتنا الثقافية ما قبل هذه الحرب؟ والجواب لا، ليس على صعيد إنتاج المعرفة فقط وإنما على صعيد المحافظة على القيم في علاقات الناس، أيضاً الحفاظ على التراث اللامادي الذي دمرت جزءاً منه الحرب وشتت جزءاً آخر، وأياً كانت حياتنا الثقافية قبل الحرب فهي تغيرت ربما نحو التراجع.
إن ذلك التأثير لا يغير جوهر الأمر، بل يدفع إلى العمل الحثيث لإحيائه، أي القدرة على عودة حياتنا الثقافية لصياغة المعرفة وإنتاجها، وبناء مسار منطقي يصل بين الذات والموضوع من جهة، وبين مكونات الوعي ومعطيات الشّعور عند الناس من جهة أخرى، ما يمنح مجتمعنا القدرة على التعبير عن السلوك الإنساني، واستخراج القوانين التي تتحكم بطبيعته اعتماداً على الظواهر الثقافية والتجارب الوجدانية. لكن علينا التفريق بين قواعد المنهج الاجتماعي التي توضح الروابط القائمة بين الظواهر الثقافية وأسبابها، وبين قواعد السلوك الإنساني التي تبين طريقة التفكير في الظواهر الثقافية، وضرورة التّأمل في أسبابها البعيدة أو الباطنية. وهذا التفريق من شأنه تسهيل عملية توظيف الأنساق الثقافية في البناء الاجتماعي، وتحديد أبعاد المكانة الأخلاقية المركزية للفرد في الفلسفة الحياتية، ليس باعتبارها محاولة لمعرفة العالم وتفسير المجتمع فحسب، بل أيضاً باعتبارها آليَّة لتفكيك انعكاسات المعرفة من أجل فهمها، وأداةً لإعادة صهر العناصر الإبداعية المشتتة والمنسية في نسيج المجتمع من أجل النهوض به.
إن الحديث عن تدني الذائقة الفنية، وانتشار السلوكيات غير المفيدة للمجتمع، وتراجع القيم، هو حديث عن فجوة بين الوعي والواقع، حيث لا يكفي وعي الواقع إنما يجب تغييره، إذا أصبحت الثقافة مجتمعاً معرفياً ودلالة وجودية، وصار المجتمع نظاماً ثقافياً ودليلاً إبداعياً، فإن الأحداث اليومية ستقود الفرد إلى صناعة المعرفة، وتوظيفها معنوياً ومادياً للتغلب على الحواجز الزمنية والقيود المكانية، وهذا يعني وجود خيارات حياتية متنوعة أمام الفرد، فهل هذه الخيارات أمامنا نحن اليوم؟ أم نحن ننحصر في زاوية ضيقة، وطريق متعثر وطويل؟
إن الفرد الحر هو الوجود الحي الذي نجح في الانعتاق مِن أَسر اللحظة الآنية، والإفلات مِن الضغوط المؤثرة على الفعل الاجتماعي، في التنمية عموماً يقال: التنمية حرية، فهل نحن قادرون على الوجود الحي في ظل ما نحياه من حرب يومية مع اللحظة للبقاء على قيد الحياة وتأمين أبسط مقومات الحياة؟ هل نحن أحرار بالوقوف مع أنفسنا بعيداً عن ضغوطنا اليومية؟
بالعودة إلى الرابطة المصيرية بين البنية الاجتماعية والبنية الثقافية لا يمكن أن تظل متماسكة وفعالة إلا إذا نجح الفرد كما قلنا في ردم الفجوة المعرفية بين الواقع والوعي، ولا يكفي أن يكون هناك وعي بالواقع، لأن العبرة تتجلى بوجود وعي بأهمية تغيير الواقع. وهذه مسؤولية الأفراد والدولة، والدولة بالدرجة الأولى وتقتضي إرادة سياسية واعية للمعرفة باعتبارها نظاماً وجودياً شرعياً، وليس ترفاً فكرياً زائداً عن الحاجة، سياسة تتطلب ميزانية وبرامج أبعد من الأنشطة المتفرقة، وأعمق من الإنتاج الحالي، تلتفت للحياة الاقتصادية للناس عموماً وليس للعاملين في حقول الإنتاج المعرفي، تحتفي بالمبدع الحقيقي والمنتج الحقيقي، تعمل بإلحاح على احياء التراث اللامادي.
لأن الفرد إذا كان لا يستطيع تغيير الوقائع التاريخية والأحداث اليومية، فإنَّه يستطيع الاستفادة منها في صناعة نظام عقلاني يوازن بين مسار الفرد في الحياة، ومصير المجتمع في التاريخ. وأهمية النظام العقلاني في المجتمع والتاريخ تتضح في عملية بناء الإرادة الحرة على قاعدة المسؤولية الأخلاقية. وغياب الإرادة يعني انهيار كينونة الفرد، وغياب الحرية يعني انهيار كيان المجتمع، وغياب الأخلاق يعني انهيار ماهية الحضارة. وهذه الانهيارات عندما تتوالى وخاصة في الظروف الخاصة كظروف ما بعد الحروب، تمنع الفرد من اكتساب المعرفة، وتمنع المجتمع من حرية التعبير، وتمنع الحضارة من تجديد ذاتها. هنا حتى اللغة تفقد قدرتها على صناعة بنية تواصلية فعّالة، فتموت الأفكار في مهدها، ولا تنتشر المعرفة داخل النسيج الاجتماعي.
ومن أجل حماية شرعية الوجود الإنساني من هذه الانهيارات، لا بد من تطوير المعرفة بحيث تحقق المصلحة الشخصية والمنفعة العامة، وهذا كما قلنا يقع على عاتق الدولة بدعم المؤسسة الثقافية والإنتاج المعرفي وتهيئة بيئة داعمة للفرد ليكون حيوياً نحو الثقافة وله دور في إحيائها.
إن العلاقة الجدلية بين الثقافة وبناء المجتمع، تفرض على الجميع تصميم ورشة عمل مستمرة، لإعادة فاعلية الفرد، ليكون له دوره في تغيير ما هو قائم اليوم، ليتحقق الأثر والتأثير للنهوض بالثقافة واحياء المجتمع.

العدد 1111 –  13- 9-2022

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق