مثلت الأعمال التاريخية مجالاً آخر تفوقت فيه الدراما التلفزيونية السورية بفضل عدد من الأسباب أولها قرب اللهجة السورية المحكية من اللغة الفصحى، مما جعل تحدث الممثلين السوريين بالفصحى أكثر إقناعاً مما هو حال زملائهم العرب، والمصريين خاصة، وثانيها حرص الكتّاب والمخرجين على احترام عقل المتلقي فيما يتعلق بالحوادث التاريخية من جهة، وطبيعة العصر وناسه من جهة ثانية، وثالثهما الحرص على المستوى المتقدم للصورة الذي ترافق مع سخاء إنتاجي سمح ببناء ديكورات مناسبة، واستخدام (أكسسوارات) حقيقية، أو مماثلة لها.
ومن أقدم الأعمال التاريخية التي تناولت السيرة الذاتية مسلسل (عروة بن الورد) 1968 الذي أخرجه (جميل ولاية) عن نص كتبه (علي الجندي)، ومسلسل (موت الحلاج) في العام ذاته، والذي كتبه (رفيق الصبان) وأخرجه (فيصل الياسري)، ثم (ياقوت الحموي) 1999 وهو 18 حلقة من تأليف (أنور تامر) وإخراج (فردوس أتاسي) و(هولاكو) 2002 تأليف (رياض عصمت) وإخراج (باسل الخطيب) و(عمر الخيام) 2002 تأليف (غسان جباعي) وإخراج (شوقي الماجري) و (المتنبي) 2004 تأليف (ممدوح عدوان) وإخراج (فيصل الزعبي).. وتناولت بضع مسلسلات شخصيات حديثة ومعاصرة مثل مسلسل (الملاك الثائر) 2006 الذي يعرض لسيرة (جبران خليل جبران) من إخراج (فردوس أتاسي)، و(أسمهان)2008 تأليف (قمر الزمان علوش ونبيل المالح) وإخراج (شوقي الماجري)، و (نزار قباني) 2005 تأليف (قمر الزمان علوش) وإخراج (باسل الخطيب)، ومسلسل (في حضرة الغياب) 2011 الذي يسرد سيرة حياة الشاعر (محمود درويش) وهو من تأليف (حسن م يوسف) وإخراج (نجدت أنزور).
أما في مجال الأعمال التاريخية، فيصح القول إن مسلسل (أخوة التراب) عام 1996 لكاتبه (حسن م يوسف)، ومخرجه (نجدت أنزور) قد أحدث تحولاً مفصلياً في الدراما التاريخية التلفزيونية العربية، إضافة إلى كونه واحداً من المسلسلات بالغة الأهمية في الدراما السورية، وإحدى محطاتها الراسخة في الذاكرة الجمعية.. فقد اكتملت فيه عوامل صناعة (رواية تلفزيونية) متفوقة، بدءاً من النص المتماسك الموثق حتى كاد يكون بحثاً تاريخياً، مروراً بالأداء المتمكن لمجموعة الممثلين يتقدمهم (أيمن زيدان)، وقد كان له دور شخصي حاسم في ظهور هذا العمل، وتتويجاً بالعمل البارع المتقدم للمخرج، ففي إطار حكاية فردية مشوقة، عمل (حسن م يوسف)، كأي روائي قدير وعارف، على استحضار زمن الحدث بكل أحداثه الكبيرة، وتفاصيله الضرورية، ليكون العمل – الذي حظي بمن يصيغه بصرياً بإبداع رائد في الدراما التلفزيونية السورية – حكاية عن مرحلة هامة وحساسة في تاريخ سورية الحديث لا تزال آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.