في البدء كان الكلمة، عبارة لطالما رددناها في جلساتنا الثقافية واجتماعاتنا التي نرسم من خلالها عناوين أبحاثنا ودراساتنا وبعض ما نصبو إليه في تقديم ما من شأنه أن يقدم قيمة مضافة للثقافة والفكر والذائقة الفنية.
ربما مايدور في الأوساط الثقافية وفي كواليسها حول تلك الظواهر التي تغزو البيئة الثقافية يثير القلق، فكثيرون يمتطون حصان طروادة ويدعون أنهم شعراء أو كتاب أو هم من يحمل هموم الثقافة وشؤونها ويقدمون نتاجات لاتحمل من ركائز الثقافة والفكر ما يرتقي بها لتكون في أجندة الثقافة.
وهذا الأمر ربما يظهر جلياً فيما يقدمه بعض الشعراء للأغنية، فلا نجد كلمة معبرة ولا لحناً عذباً أو صوتاً يطرب الآذان.
ويبدو أن الظاهرة الاستهلاكية طالت كل شيء وقد امتدت إلى الذائقة الفنية فأصابها في مقتل، وهذا ما يؤكده انتشار شعراء الأغنية الذين يلملمون بعض الكلمات ويسقطون عليها اللحن دون مراعاة الهدف والرسالة والذائقة الفنية، إلا فريق لا يزال يتمسك بحبال الأصالة ويسعى للنهوض بالثقافة الغنائية الراقية.
ولم يكن بعيداً ما أثير حول انتشار نوع من الأغاني التي لا تليق بما نتمتع به من إرث حضاري، ويبدو أن منع هذا النوع والحد من انتشاره لايكفي، بل أن نتوجه إلى المؤلفين والملحنين وحتى المطربين للسعي إلى اختيار منتجهم بعناية وتقديمه بما يتناسب مع ثقافتنا وبيئتنا من جهة، وبما يرتقي بذائقة الأجيال التي تقبل على الرائج منها دون وعي أو إدراك لما تبثه هذه الأغاني من سموم من جهة أخرى.
ونحن ندرك أن المسؤولية في هذه القضية الهامة يجب أن يضطلع بها المعنيون بشأن الأغنية وأيضاً لا يمكن تجاهل دور الإعلام في تقديم الأفضل للجمهور واستبعاد كل ما من شأنه نشر ثقافة الاستهلاك، وتشجيع الشعراء من خلال مسابقات تضع شروطها في تقديم الأغنية التي تحمل قيمة وتقدم رسالة نبيلة ترسم للناس أحلاماً يعيشونها أو تترجم لهم أحلامهم، أو هي تنقل صورة البيئة التي نبتت فيها وأزهرت.
ولأننا شعب يمتلك حضارة وثقافة عمرها آلاف السنين، ولأننا نفخر بأننا من أوجد النوتة الموسيقية الأولى، فمن الأهمية بمكان السعي نحو تقديم ما يليق بحضارتنا حتى لا تفقد الأجيال الجديدة ارتباطها بثقافتها وموروثها وفلكلورها العريق.