نعيش حالة متواصلة من التساؤل المحيّر : عن سبب تدهور الفنون الإبداعية كافة ، بينما كنّا في الماضي القريب، نعيش مرحلة ذهبية امتدت حتى اواسط السبعينات، حتى إن ما ينتج حالياً، لايزال يبنى على الأسس النهضوية ذاتها، التي طرحت منذ أكثر من خمسين عاماً في الشكل والمضمون معاً.
وظاهرة تدهور وتراجع الفنون الإبداعية، بسبب انحدار الأمة، لاتقتصرعلى الموسيقا والغناء فقط، وإنما تشمل كلّ أنواع الفنون والآداب في الشرق والغرب معاً، وهنا يقع الالتباس في ضرورة تجاوز مشكلة الفن المتقوقع في شراك الشرنقة المتأزمة للفن الحديث، المقيّد بالتقليد واجترار مفردات مستهلكة وجاهزة .
ورغم بروز النقد التصويبي في صحافتنا الثقافية، يذهب البعض من الفنانين، إلى تغطية قصورهم الفني، بإطلاق أحكامهم الاعتباطية والتعسفية على النقد والنقاد من دون تمييز، مع أنهم ينسبون في أحيان كثيرة لوحات ومنحوتات وألحان وأغنيات لغير أصحابها، كما إن أخطاء الآخرين تمرّ من أمام أعينهم بشكّل يومي ولا يرونها.
كما أننا نعاني في هذا الواقع المروع والمفجع من آفة الاستسهال في إطلاق الصفات والألقاب، مع أنّ من لهم الحقّ في التقييم والتصنيف وإطلاق الألقاب هم أصحاب الاختصاص، في مختلف المجالات، وليس أصحاب الأقلام والبرامج المتسرعة والمزاجية.
هذا النوع من المثقفين أو المتثاقفين يحاول أن يوهمنا بالحلول المثلى والاقتراحات الفعّالة والوصفات السحرية للمشكلات والمعضلات. بعد أن يضع عمل الصحفي في مرتبة متأخرة، على اعتبار أن كلمة صحفي لا تليق بأمثاله من المثقفين ولابمكانتهم النخبوية. وهذا المثقف يختار نجمه المفضل من نجوم الثقافة الاستعراضية، لأنه ببساطة لايمتلك القدرة على التفريق أو التمييز بين النص النقدي الحديث وبين النص التقليدي المتعاطف مع لغة الأدعياء والسطحيين.
هذا المثقف يريد إقناعنا أن الأذواق الفنية قد تغيّرت وباتت الفرصة مهيأة لأن يتوجه الناقد إلى الناس بلغة الرموز والإشارات الضوئية، التي ترسلها الأطباق الطائرة القادمة من كواكب مأهولة لم تكتشف بعد.