لامارتين ودمشق ….مدينة البهاء والجمال

الملحق الثقافي- د. سلوى الحلو:

من المعروف أن معظم رحلات المستشرقين إلى البلاد العربية كانت لغاية الاطلاع الاستعماري والتجسس وقراءة ما يجري في هذا الوطن المسمى البلاد العربية..
لكن بعضهم كان خارج المهمة هذه سحره الشرق ولا سيما دمشق الفيحاء..
فكيف اذا كان لامارتين هو الذي يصف جنة الله على الأرض…
من النصوص المتداولة والمنسوبة له النص الماتع التالي وقد نشرته العديد من الكتب والصحف ومنها ( البيان) الإماراتية.
ورحلته كما تقول البيان من أشهر الرحلات الفرنسية إلى الشرق، رحلة الشاعر لامارتين، الذي كتب، خاصة، عن لبنان وسورية نصوصا قلدها الكثيرون من بعده، انطلاقاً من رصده الرومانيسي الشاعري والدقيق لحياة تمكن من أن يضفي عليها سمات المثل العليا.
وهنا في هذا النص المستقي من مجموع كتاباته عن «الشرق الأدنى» نصل مع لامارتين إلى تخوم مدينة دمشق، ثم إلى داخل بازارتها وحتى داراتها، لنشاهد، عبر نظراته، حياة تضج بالبهاء والجمال، في دمشق القرون الغابرة.
(استكملنا ارتداء الثياب التركية حتى لا يدرك أحد في ضواحي دمشق أننا من الفرنجة، وارتدت زوجتي زي النساء العربيات إضافة إلى حجاب طويل من القماش الأبيض أحاط بجسمها من أعلى إلى أسفل.
أما رفاق رحلتنا من العرب فقد أخذوا يسوون هندامهم بشكل أفضل. وفجأة راحوا يشيرون إلى الجبال التي كان لا يزال علينا أن نقطعها قائلين «الشام! الشام!» والشام هو الاسم الشعبي لدمشق. دمشق المدينة المبجلة، الحرة وذات الشوكة، التي لا يجوز تدنيسها.
بعد دخولنا دمشق نصل إلى طريق ضيقة وعرة منحدرة بقوة، لتروح قطع من الحجارة تنزلق تحت قوائم أحصنتنا. كنت أنا على رأس القافلة على بعد خطوات وراء عرب الزبداني.
وفجأة، وقف هؤلاء مطلقين صرخة ما وهم يشيرون بفرح إلى فتحة في آخر الطريق. اقتربت لأرسل نظراتي عبر الصخور فتقع على أروع وأغرب أفق حدث له أن أدهش نظرة إنسان:
إنها دمشق وغوطتها على بعد مئات الأقدام من المكان الذي أقف فيه. أول الأمر حطت نظراتي على المدينة التي، إذ تحيطها حصونها المبنية من المرمر الأصفر والأسود، وإذ تحيط بها أبراجها المربعة التي لا تعد ولا تحصى، وإذ تشرق عليها غاباتها ومناراتها ذات الألف شكل والألف لون.
وإذ تجتازها فروع نهارها السبعة، فتبدو وكأنها متاهة من الحدائق والقصور والسواقي، تضيع العين فيها ولا تترك نقطة سحر إلا لتصل إلى نقطة سحر أخرى. كنا الآن قد غدونا على بعد 500 خطوة فقط من أسوار المدينة المحاطة بالأكشاك الرائعة وبالبيوت الريفية.
وكلّها كانت تبرق مثل صحن ذهبي من حول دمشق. والحال أن القباب العديدة التي تعلو المساجد والقصور في هذه المدينة التي يعيش فيها أكثر من أربعمئة ألف نسمة، كانت هي التي تواصل توزيع أشعة الشمس رغم شروع هذه الأخيرة بالغروب.
أما الأفق من خلف المدينة فكان يبدو مثل بحر فسيح، وكأنه بحر يختلط بأطراف السماء الأرجوانية التي باتت الآن تبدو كالنار، ومن الواضح أنها تلهب رمال الصحراء حتى اللحظة.
إذاً حرارة لاهبة وشمس براقة ومدينة مرمية على مد النظر. أما في الداخل، فقد لاحظنا منذ دخولنا صخب حركة الشوارع الضيقة والضجة والصخب في البازارات.
ومن بين هذه البازارات هناك البازار الكبير الذي يصل طوله إلى نصف فرسخ. والبازارات هنا عبارة عن جادات عريضة تغطيها سقوف مرتفعة، وتحفّ بها الحوانيت والمعارض والدكاكين والمقاهي.
والحوانيت غالباً ما تبدو ضيقة العمق. أما المخازن والدكاكين، فهي مليئة، أساساً، بالأقمشة الهندية التي تتدفق على دمشق عن طريق القوافل البغدادية. وطوال النهار وحتى ما قبل المساء بقليل تزدحم تلك البازارات بجماهير من الناس يماثل عددها أحياناً عدد الجماهير التي تزحم غاليرهات باليه رويال في باريس.
صانعو السروج هم الأكثر عدداً والأكثر مهارة بين عمال البازارات. والحقيقة أن ليس ثمة في طول أوروبا وعرضها ما يضاهي ذوق وجمال وغنى السروج الفخمة التي تصنع هنا في دمشق لتوضع فوق ظهور جياد الزعماء العرب وأعيان البلاد وآغاتها. والسروج تغطى عادة بأنواع المخمل والحرير المزين بالذهب واللآلئ. أما العقود الجلدية الحمراء التي تتدلى منها، فإنها مزينة كذلك ولكن بقطع شرائح من الذهب والفضة.
في طول البازار وعرضه تفوح رائحة خشب الأرز. والحقيقة أن هذا المناخ المكون من ألف عطر وعطر، والذي يفوح من حوانيت البخارين وباعة التوابل والعطور والأعشاب المداوية من شتى الأمراض.
ومن أكياس العنبر والمطاط المعطر والقهوة يذكرني بالانطباع الذي خالجني في المرة الأولى التي اجتزت فيها مدينة فلورنسا الإيطالية حيث لاحظت رائحة مماثلة تقريبا تنبعث من أعلى السقوف الخشبية التي تغطي بعض الشوارع.
وفي وسط بازار دمشق هذا قيض لي أن أعثر على أجمل خان شاهدته في الشرق، وأعني به خان حصاد باشا، فهو أشبه بالجنة وفيه ينابيع ماء وأحواض تبقيه منعشاً طوال اليوم. وهذا الخان يستخدم هنا كمقر لغرفة تجارة دمشق (البورصة). أما باب الخان الذي يفضي إلى البازار فإنه يشكّل واحدة من أجمل قطع الهندسة الإسلامية، والأكثر غنى بالتفاصيل والموتيفات.
حياة دمشق كلها تتمركز في البازارات. وهذه تكون، عادة، حافلة بالناس صاخبة بمقدار ما تكون الأحياء الأخرى خاوية صامتة. أما أردية الناس، وهي غالباً وردية اللون أو خضراء أو زرقاء ومعظمها من الحرير، فإنها تبدو ساطعة براقة تحت تأثير الضوء العذب الآتي من أعلى، ما يجعل المشهد في مجموعه مشهداً ذا ألوان رائعة ذات سحر فريد من نوعه.
وبالنسبة إلى النساء، أذكر أننا شاهدنا، حين قيض لنا ذلك، عبر الحجاب أو حتى أحيانا في منأى من الحجاب على وجوه نسائية لم يسبق لأي ريشة رسام أوروبي أن صورت مثلها.
ولا سيما العيون التي يعطيها صفاء الروح الداخلي لوناً أزرق لازوردياً، والجلد الذي يبدو من الرقة والشفافية بحيث يبدو في الوقت نفسه مفعما بالعديد من الألوان. أما الأسنان والابتسامة وحركة الجسد فكلها تبدو طبيعية، مثلما حال رواق الصوت ورقته، كل هذا يبدو شديد التناسق بين بعضه البعض.
أما ثياب أغلب النساء الفاتنات فتبدو كلها في غاية الأناقة، بل أكثر أناقة ونبلاً ورفعة من أي ثياب نسائية أخرى سبق لنا أن شاهدناها في الشرق. ولا يفوتني هنا أن أذكر أن بعض الرؤوس الساخرة كانت ذات شعر رائع طويل يغطي الجبهة ضفائر ضفائر ثم ينهدل في ضفيرتين كبيرتين تنزلان على جانبي العنق والكتفين، فيما زينت السوالف بالزهور.
بل ثمة نساء زين شعرهن بالحجارة الكريمة وقطع الذهب. إضافة إلى قطعة ذهب رئيسية مميزة توضع في أعلى الرأس. أما الجسد فيبدو مغطى، عادة، في أعلاه، بسترة ذات أكمام عريضة مفتوحة صنعت من الحرير الموشى بالذهب والفضة.
وعلت سروالا أبيض عريضا ينزل ثنايا ثنايا حتى القدمين، فيما انتعلت هاتان «مشاية» من الجلد الأصفر. أما فوق هذا كله عند أعلى الكتفين فتحة رداء طويل من الحرير البراق منسدل وقد فتح عند الصدر وفوق السروال وربط فقط عند الوسط بحزام يصل طرفاه إلى الأرض، ترى، أمام مشهد مثل هذا، هل كان في إمكاني أن أبعد عيني عن كلّ هذا السحر؟
لكن الحياة ليست في البازار، أي في الخراج فقط، بل إن جزءها الأساسي يدور داخل البيوت، والحال أن داخل البيت الدمشقي حيز يعطينا صورة رائعة عن واقع الحياة اليومية السورية، وسط هندسة للبيت غاية في الجمال.
وأنا أدهشني غنى وأناقة هذه الدارات من الداخل. فالمرء ما أن يجتاز الباب ويعبر ممراً مظلماً حتى يجد نفسه في فناء تزينه أحواض ونوافير الماء الرائعة وتظلله شجرتا تين فارسي. وتحف بالفناء مصاطب عريضة من الحجارة المصقولة، أو من المرمر.
أما الجدران فتنساب عليها الدوالي، وهي في الأصل تكون مغطاة بالمرمر الأبيض والأسود. وحول الفناء عادة خمسة أبواب أو ستة، صنعت صوانيها من المرمر أيضاً، وهي منحوتة ومرقشة تقود إلى قاعات وغرف يعيش فيها رجال الأسرة ونساؤها.
وهذه القاعات عادة فسيحة ومقببة، أما الجدران فتمتلئ بالنوافذ الصغيرة التي من وظيفتها أن تترك مجالاً لتسرب أشعة الضوء والهواء إلى داخل المنزل.

العدد 1115 – 11- 10-2022

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق