المقاومة بتوقيت دمشق

الملحق الثقافي- حسام حمدان:

في إطار العروض السينمائية تحت عنوان «أيام سينما المقاومة «، والتي انطلقت في دار الأوبرا تحت رعاية وزارة الثقافة السورية وبالتعاون مع الجمعية اللبنانية للفنون «رسالات». عُرِض الفلم الذي سأتناوله اليوم.
بتوقيت دمشق «Damascus time» أو رحلة الشام 2701
للمخرج الإيراني «إبراهيم حاتمي كيا» عن نص له أيضاً وهو من إنتاج إيران (عام 2018)
الممثلون:
من إيران: «باباك حميديان» (في دور علي) و»هادي حجازي فار» (يونس والد علي)
من لبنان وسورية: (بيار داغر، محمد شعبان، الليث المفتي، سامر خليلي، خالد السيد، ندى أبو فرحات، سينتيا كرم، كارمن بصيص، محمد علي سكر، جوزيف سلامة، رامي عطالله)
المؤثرات الخاصة نفّذها فريقان إيرانيان بإدارة «محسن روزبهاني» و«هادي إسلامي».
بدأ تصوير الفيلم في موقع أحد المطارات العسكرية في طهران. ثم انتقل إلى العديد من المواقع في إيران، كما صوّر في تدمر ودمشق. تروى أحداث الفيلم باللغات الفارسية والعربية والإنكليزية.
تمر الكتابة عبر الشاشة في بداية الفيلم «في كانون الثاني لعام 2011 دخلت سورية في أزمة كبيرة» ….. «ثمة كارثة إنسانية كانت على وشك الوقوع ولا سبيل لتفاديها سوى عبر إيصال المؤونة والمساعدات عن طريق الجو وقد كان الطيارون الإيرانيون من السبّاقين لإنجاز هذه المهمة».
الأحداث الأساسية للفيلم تجري على أرض سورية (تدمر- دمشق) وعلى متن طائرة النقل العسكرية السورية «إيليوشن»، حيث إن الطيارين الإيرانيين «علي» ووالده «يونس» يتابعان القيام بمهماتهم الإنسانية في سورية عقب الحرب التي تشن عليها..
وتبدأ الأحداث بمشاهد لإسقاط المساعدات على بعض القرى المحاصرة، حيث تسقط الصناديق بالمظلات، ويصوب الدواعش بنادقهم عليها، في محاولة لعدم وصولها للمحاصرين من الأطفال والنساء.
لنتعرف على الطيار «علي» الذي كان يقود عملية الإسقاط والذي ترك زوجته وهي تنتظر مولوداً فقدته بعد ذلك، وكان على وشك انهاء مهماته والعودة إلى بلده، لكنه علم بوجود مهمة عاجلة، حيث إن هناك طائرة نقل عملاقة على أرض مطار تدمر يتواجد على متنها جنود سوريون بعضهم جرحى، وبعض المدنيين الهاربين من بطش الإرهابيين، مع عدد من معتقلي تنظيم داعش الإرهابي، وبعض جثامين الشهداء ومنهم القائد الأساسي للطائرة الذي استشهد، ولا يوجد بديل جاهز عنه ليقوم بالإقلاع الى دمشق قبل وصول الإرهابيين لمكان وجود الطائرة..
يتبرع الأب يونس للقيام بالمهمة، لكن الابن علي يعرف مقدار الخطر الكامن في العملية، وخاصة مع كبر سن والده وتوقفه عن الطيران لفترة طويلة من الزمن (أربع سنوات)، لذلك يرفض ويصر على التنفيذ، ويصعد قبل والده إلى طيارة الهيلوكوبتر التي تقل الوالد الى تدمر..
يفاجئ الأب عند صعوده للطائرة بوجود علي ويطلب من ابنه العودة والبقاء بجانب زوجته التي ستلد قريباً..
لكن قرار الأبن كان حاسماً ولم يكن بإمكان الأب ثناءه عنه..
تبدأ العملية بتحرك الطائرة تحت جنح الظلام من مدرج الإقلاع في مطار تدمر، ليلمح الطيار مجموعه من الانتحاريين من داعش كانوا يتقدمون باتجاه الطائرة من آخر المدرج في هجوم مفاجئ، ما استدعى تدخل الضابط (أبو بلال) الذي فجّر نفسه بهم بسيارته العسكرية، لتتمكن الطائرة من الإقلاع في آخر لحظة..
قبل الوصول تمكنت إحدى الداعشيات من استعمال خنجر، لفك وثاق الشيخ ممدوح زعيم المجموعة الداعشية المنقولة في الطائرة، ما أدى لوقوع الطائرة تحت قبضة داعش، واضطرها للهبوط في مطار صغير ..
جرت مفاوضات بين الطيار الحاج يونس وبين شيخ الدواعش، فتم إخلاء سبيل النساء والأطفال والجرحى مع توابيت الشهداء في المكان الذي حطت به الطائرة، مقابل أن يعود بها الحاج يونس وابنه إلى تدمر.
وتم الأمر لتنتظر الطائرة عند هبوطها مجدداً على المدرج جحافل داعش بقيادة أبي عمر الشيشاني، الذي يأمر بتصفية الشيخ ممدوح، وليظهر حال هذه الجماعات المسلّحة الإرهابية المنقسمة فيما بينها، عقائديّاً، ومزاجيّاً، والتي ترهق أطرافها الصراعات..
يأمر الشيشاني بإلباس الرجال الثياب البرتقالية تهيئة لتصوير عملية ذبحهم على الإعلام.
ونكتشف أن التنظيم الإرهابي يريد أن يستعملهم في أكثر من حدث صادم ليعطي الانطباع بفداحة خسائر خصومه في إطار حربه النفسية. وبالفعل تم تصوير العملية بخدعه حيث مرّت الخناجر على الرقاب من دون ذبحها..
يقوم «أبو طلحة البلجيكي» بعد وضع الأسرى في أقفاص، بالطلب من الطيار علي الإقلاع بالطائرة نحو دمشق وترافقه «أم سلمى» الداعشية التي تتحكّم بزر التفجير لسترة ناسفة ألبسوه إياها.
هنا يدرك الطيار علي أنهم ذاهبون لتنفيذ عملية انتحارية لتفجير هدف ما بالطائرة في الجو، في مشهد شبيه بتفجيرات البرجين في 11 أيلول، ويحاول منع ذلك حيث يقوم بتشغيل القيادة الآلية للطائرة، ويحرر أقفاص المعتقلين ويدفعها من الطائرة لتهبط عبر المظلات إلى الأرض، ثم يفجر الحزام الناسف بالطائرة لتسقط محترقة بعد انفصالها لعدة أقسام.
لقد أبدع المخرج في بث الإثارة والتعاطف، كما أبدع في التشويق والدهشة، بدأ بالحزن والقهر والترقب والغضب وأنهى الفيلم بالأمل.
في المشهد الأخير يظهر الأطفال في باحات المدارس، ويظهر طفل ينطلق على دراجته فرحاً مسروراً في فضاء رحيب تحيطه حقول القمح الصفراء، وهو محمد الطفل نفسه الذي ظهر في بداية الفيلم ملوحاً للطائرة حين خروج الأهالي من تدمر، في إشارة ربما إلى أن هؤلاء الأبطال في الفيلم قدموا حياتهم فداء للأرض وللأطفال الذين يستحقون العيش بسلام.
ساعة وخمسون دقيقة من الحركة الدائمة والإثارة على الشاشة في مشاهد تنتقل من الأرض إلى السماء حيث تفضي الأحداث بعضها إلى بعض بسلاسة خالية من التكلف والافتعال.
ابتعد الفيلم عن التوجيه المباشر، وطرح رسائله بذكاء عبر أحداث مقنعة ومشاهد مدهشة تشدّ المتلقي وتوصل إليه الفكرة. الشخصيات أدت أدوارها بشكلٍ متقن ومدروس وكانت الصورة مبهرة، تعب كادر الفنيين بقيادة المخرج لإيصالها إلى المستوى العالمي..
رشح الفيلم لثمان جوائز (عنقاء بلورية) في مهرجان الفجر السينمائي الدولي وفاز بثلاث جوائز لأفضل إخراج لإبراهيم حاتمي كيا وكذلك جائزة أفضل تركيب للأصوات لعلي رضا علويان وأفضل موسيقا لكارن همايون فر.
يعج الفيلم بالصراعات الثانوية، كالصراع بين افراد داعش نفسها التي يحكمها الحقد والغطرسة حيث يحتكمون في صراعاتهم بين بعضهم لسفك الدماء وقطع الرؤوس، والصراعات الداخلية النفسية كصراع الطيار علي بين ضرورة الالتحاق بزوجته، خاصة أنها أجهضت سابقاً، وبين ضرورة مد يد المساعدة للمدنيين العزل وتقديم الغوث لهم.
لكن الصراع الأساسي يبقى الصراع بين الخير والشر.. بين الجيش السوري (ومن معه من الطيارين الإيرانيين) من جهة وبين داعش من جهة أخرى..
استفاد الفيلم من خبرة السينما الإيرانية الواسعة في تصوير أفلام الحرب، فكانت الصورة مقنعة، زادها الاستخدام المدروس لزوايا التصوير تأثيراً وإيحاءً..
ولجأ المخرج لاستخدام اللقطة المتوسطة التي أعطت المتفرج فرصة لاستيعاب الأحداث التي تميزت بالحركة والإثارة، واستخدم اللقطات الكبيرة حين أراد الغوص في أعماق الشخصيات ليقترب من العالم الداخلي لها..
أما اللقطات العامة فغالباً ما كانت تصور الدمار لتدعو للتأمل في واقع الحرب (مبانٍ ضخمة محطمة ـ مسجد مدمر وصومعة مطروحة أرضاً) حيث تثير في المتفرج الصدمة عندما يرى هول الكارثة..
أخيراً:
إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة من كتابتك حول فيلم أنك بحاجة إلى المزيد من الحديث رغم الإسهاب فأعلم أنه كان فلماً مهماً..
وإذا اشتد الصراع بين الحق والباطل في الشام، فاعلم أن النصر قادم والتاريخ سيكتب بتوقيت دمشق والمقاومة..
صحفي ومخرج سينمائي

العدد 1115 – 11- 10-2022

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق