الثورة- فاتن دعبول:
تحكي رواية” في الحرب والسلام” للدكتورة ناديا خوست عن جيل تفتح في خمسينيات القرن الماضي، متطلعاً إلى العلم والثقافة، عبر أحداث الوحدة والانفصال، وحرب حزيران والعمل الفدائي وحرب تشرين، واجتياح لبنان وغزو العراق وإسقاط الاتحاد السوفييتي والحرب على لبنان وغزة، ثم هذه الحرب المتنوعة الأشكال التي طالت سورية.
أما شخصيات الرواية فهي تتحول من نضارة تفتح الشباب والأحلام بالمستقبل، إلى حرارة الأحداث التي أثرت في مصائرها الشخصية، والكاتبة بدورها استبقت من شخصيات الروايات السابقة عن بلاد الشام شخصية نفيسة التي أحبت خالد آغا الشهيد في ميسلون، لأنها كالذاكرة التي تسند، والمثل التي تلهم.
وتقول في مقدمة الرواية” خطر لي أن أسمي الرواية فجر في الغروب، أو أسميها مصائر، ثم وجدت أن عنوان” في الحرب والسلام” أدق تعبيراً عن الحياة في هذه المنطقة التي تعيش شخصيات هذه الرواية مقطعاً منها.
تشير إلى أن أحداث رواياتها السابقة تناولت بلاد الشام حتى تقسيمها، وكانت شخصياتها من الطليعة التي حملت قضايا زمنها، وقد حرصت على حركة الشخصيات في فضاء المكان العام وتفاصيل الحياة اليومية، وكان مشروعها الروائي ملامسة القرن العشرين منذ بداياته إلى نهاياته واقتفاء أثر الصراع العربي الصهيوني في حياة الناس، معتمدة في ذلك على الوثيقة والشهادات، وكانت تتصور أن تلك الروايات ستنتهي بنهاية القرن، لكن نهاية القرن العشرين أكدت بأن مراحل التاريخ الإنساني يمكن أن ترتد وتذكرنا بأن الصراع الكبير على نهج المجتمعات لا يتوقف ما دامت الحياة الإنسانية مستمرة.
وعليه وبعد الحرب التي انتهجت تدمير البنية المادية والنسيج الاجتماعي، بدأت خوست بالجزء الأخير المفترض من الروايات عن بلاد الشام وأثمر ذلك خمسة كتب، مشيرة إلى أن روايتها” في الحرب والسلام” اعتمدت الوثيقة والشهادات واستلهام التراث العربي وكانت غايتها تأكيد الهوية العربية، فقدمت عملاً فنياً يرقى لمستوى الأعمال العالمية.
واستطاعت بدورها أن تجعل من روايتها” في الحرب والسلام” رواية تاريخية سياسية تحمل بين طياتها تفاصيل السيرة الذاتية، وتنتمي إلى الواقعية والروايات ذات الطابع العقائدي، من غير أن يبعدها هذا عن رسالتها الوطنية التي حملتها بين ضلوعها تدافع عنها بما أوتيت من إمكانات.
وعملت من خلال سيرتها الذاتية التي كانت حاملاً للحدث الكبير المتمثل بالحرب الإرهابية على سورية والتي خلفت الكثير من الخراب والدمار، عملت على إعطاء القارىء صورة أقرب ما تكون إلى الواقعية عن الحياة السورية في حقبة زمنية تمتد لأكثر من ستة عقود، ونجحت من خلال إبداعاتها أن تعيد إلى الأدب واحداً من أهم وظائفه، ليكون سجلاً حافظاً لوقائع الأمم وتاريخها، من غير أن تبعد الأدب عن إنسانيته ومبادئه والأخلاق الحاضنة له، مع نجاحها في عملية النقد التاريخي الذي من شأنه أن يحلق بإبداع الأديب، ويسمو به ويجعله أكثر قدرة على الإقناع.
وفي بوحها في واحد من اللقاءات تبين د. خوست أن الأحداث التي مرت في حياتها، وخاصة الحروب، كان لها أثر كبير في كتابة الرواية بأشكالها المتنوعة، وترى أن الإنسان الذي يمتلك موهبة لابد له من استخدام الخيال ليكوّن منه ومن الواقع مادة إبداعية تكون وثيقة تاريخية للأجيال، وخصوصاً عندما يكون الكاتب شاهداً على الحدث، ويواكبه في تفاصيله كاملة.
ورواية” في الحرب والسلام” الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب” ويبلغ عدد صفحاتها نحو 600 صفحة من القطع الكبير، حملت عناوين لحكايات مستمدة من تفاصيل الحياة اليومية، تلامس شغاف القلوب بصدقيتها وواقعيتها وأسلوبها الشائق والممتع.
