الثورة _ غصون سليمان:
لعل عبارة ” العقل السليم في الجسم السليم” لم تذكر عن عبث ففيها من النصائح والعبر ما يكفي للاهتمام بالغذاء الصحي ما أمكن وفق الظروف المتاحة.. لكن الظروف المعيشية اليوم لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من الحاجات، وبالتالي من هنا يلعب سوء التغذية دوراًسلبياً بشكل عام عند كبار السن وعند الأطفال بشكل خاص.
حيث بتنا نسمع اليوم في المحاضرات وورش العمل على لسان المعنيين في الصحة والأطباء المختصين لفظة ” التقزم” بعد أن غادرتنا لفترات طويلة من التداول ..
الجوع الخفي
في ورشة عمل لطب الأسرة والمجتمع عقدت بفندق الشام مؤخراً أشارت الدكتورة سحر إدلبي مشرفة واستشارية أمراض الغدد الصماء والسكري في مشفى الأطفال الجامعي في بحث لها إلى أن المسح الذي أجرته وزارة الصحة في العام 2019، بيّن أن نسبة التقزم (أي قصر القامة الشديد)، وصلت إلى 12.6%، وهي من النسب العليا عالمياً. والسبب الأهم لقصر القامة في بلدنا يعود حسب رأيها إلى سوء التغذية في مرحلة الطفولة الأولى، وعدم تأمين الاحتياجات الأساسية للطفل، من نمو سليم وطاقة ومناعة، خاصةً إذا لم يستوفِ الطعام جميع العناصر الضرورية، أو اقتصر على نوع معيّن من العناصر الغذائية، أو ما يمكن تسميته “بالجوع الخفي”، وهي الظاهرة التي تتمثل بحشو البطن بدون أي فائدة، بحيث يبلغ الطفل حدّ الإشباع ولكن دون حصوله على العناصر الضرورية اللازمة لنموه، جرَّاء تناوله طعاماً غير صحي، يُشعره بالشبع فقط ويمنحه بعض الطاقة، ولكن دون التمتع بأي نموٍ حقيقي.
هي الأهم
ولفتت في بحثها على أن السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل هي الأهم لجهة التغذية كونها من أهم المراحل التي ينمو فيها الطفل، و أي خسارة قد يفقدها في تلك المرحلة سيصعب علاجها أو تعويضها، حيث بينت ذلك مخططات النمو المعنية بمراقبة أطوال الأطفال في سورية والتي أظهرت أن الطول المثالي لأطفالنا أقل من اللازم.
ونوهت أنهم كجهات طبية توصلوا لاستنتاجٍ عبر التواصل مع الأهالي بأن التغذية التي تلقاها الأطفال في مراحل عمرهم الأولى كانت سيئة، سواء لجهة الإرضاع الطبيعي أو لجهة التغذية التكميلية التي يجب أن يحصل عليها الطفل بعد عمر 6 أشهر، لعدم جدواها وافتقارها للمعادن والطاقة، كأن تكتفي بعض الأمهات بإعطاء أطفالهن ” الخبز والشاي” وهو نمطٌ وعادة في التغذية شائعٌ جداً ونلحظه بوضوح في مجتمعاتنا.
حالات مرضية
وأوضحت إدلبي أنه وعلى الرغم مما تقدّمه المنظمات الدولية في المراكز الحكومية من مواد داعمة للنمو كمسحوق الفيتامينات وزبدة الفستق، وخاصةً خلال مراحل الطفولة الأولى، إلا أننا نحتاج لجهودٍ كبيرة وتكاتفٍ من قبل جميع المعنيين، لأننا أمام حالاتٍ مرضية حيث للوقت تأثيرٌ كبيرٌ ومباشر في علاجها.
فقد ساعدت سنوات الحرب العدوانية على بلدنا، والتي تجاوزت السنوات العشرعلى تدميرمقدرات سورية الطبيعية والغذائية والتي كانت متوافرة إلى حد كبير ما حقق الاكتفاء الذاتي لعقود من الزمن، وفي هذا السياق ذكر تقرير لمنظمة “اليونيسف” نشرته في شهر آذار الماضي “إن أكثر من 609,900 طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم في سورية، إذ ينجم التقزم عن نقص التغذية المزمن ويسبب أضراراً بدنية وعقلية للأطفال لا يمكن التعافي منها، ويؤثر ذلك في قدرتهم على التعلم وإنتاجيتهم في مرحلة البلوغ”.
أما برنامج الأغذية العالمي فقدر أن 12.1 مليون سوري يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي بزيادة 51 في المئة عن عام 2019، كما أن 2.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الشديد، ويشكل هذا الرقم أكثر من نصف عدد السكان.