رشا سلوم:
تشكل الترجمة جسر العبور بين الثقافات وهي نبض الحضارة , ومن الجيد أننا اليوم نجد ترجمات مهمة ومميزة لكل جديد في الثقافة والإبداع ولاسيما أن الجوائز تحفز المترجمين , وفي هذا الجانب نقف اليوم عند شخصية أدبية مهمة بدأ المترجمون العرب يهتمون بإبداعها، فقد
صدر حديثاً عن الهيئة العامة السورية للكتاب المجموعة الشعرية (ذلك الوحش الصغير)، الفائزة بجائزة سامي الدروبي للترجمة العام 2022 – المرتبة الثالثة، تأليف: ماري أوليفر، ترجمة: حيدرة أسعد.
بفضل تقديسها المنسجم واللافت في تألقه، لعناصر الطبيعة من نباتات وحيوانات، كرّست أوليفر نفسها واحدة من أكثر الشاعرات المحبوبات في جيلها، وضمنت احتلال أعمالها لقوائم الكتب الأكثر مبيعاً. عملت على نهج التقليد الرومانسي لوردزورث وكيتس، لكنها أضفت بُعداً جديداً يعبّر عن شعور خاص بالوحدة. لم تكن قصائدها حول العزلة، بل كانت تدور حول تجاوز الإحساس بالهجران العاطفي، حتى حين يتربص الخوف. أينما نظرت في أشعار أوليفر، فستجد سُبلاً للتماهي مع تفاصيلها.
محطات
يقول الأستاذ أسامة اسبر في مقال له عنها :وُلدتْ الشاعرة الأميركية ماري أوليفر في ولاية أوهايو سنة 1935 ونشرتْ أول ديوان شعري لها سنة 1963حين كانت في الثامنة والعشرين من عمرها. وفي سياق حياتها الشعرية حصلتْ على أرفع الجوائز الشعرية في أميركا، فقد فاز ديوانها الرابع ”بدائي أميركي“ بجائزة بوليتزر للشعر في 1984. وحصلت أيضاً على جائزة الكتاب الوطنية، وعلى جائزة الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، كما حصلت على جائزة لانان للإنجاز الأدبي للشاعر في فترة حياته، وغيرها من الجوائز المرموقة.
حظيت أوليفر بشهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية وحققت دواوينها أفضل المبيعات وقد أحبّ قراء الشعر اهتمام ماري أوليفر بالعالم المادي والروابط القوية بين كل الأشياء الحية.
لُقبت ماري أوليفر ب“الشاعرة المتصوفة“ لكن تصوفها لم يكن دينياً، وفي محاولتها لاكتشاف نفسها متجلية في أشكال الوجود الطبيعي، ذهبت إلى أعمق، وأضاءت جانباً مظلماً يظل متربصاً بك، لكنك في النهاية تقف عند هذا الحد الفاصل، في هذه النقطة كي تعلن احتفاءك بالوجود وبكونك حياً وبالمتع التي مُنحت لك، وبحياتك كهدية ثمينة يجب أن تقدرها لأنه كان من المحتمل ألا تولد. ورغم أن عالم الطبيعة يحتوي على الصياد والطريدة، وعلى الوحش والفريسة، فإن هناك فسحة للجمالي، وللاحتفاء بالحياة وتحققها، ولا يهمّ إن كانت عابرة، لأنها ستستمر في أشكال أخرى، وستتواصل دورة الطبيعة. وتمجّد ماري أوليفر في شعرها النبض والقبلة والابتسامة والعناق وتفتح الوردة وأشكال الغيوم التي تمتع الناظر وكل ما هو مرئي وجميل ومشحون بما هو أبعد منه، وفي النهاية، تنظر إلى الإنسان كعضو في عائلة أشياء العالم.
كانت ماري أوليفر من الشعراء الذين يربطون بين تأليف الشعر والمشي، فالمشي في عوالم الطبيعة، داخل الغابات وعلى شواطئ البحار، وقدرتك على السير خلف الأشياء واقتفاء آثارها، وتأمل الطبيعة، مدخل لكتابة القصيدة. وقد تمكنت ماري أوليفر من بناء لغة شعرية توحي للوهلة الأولى بالبساطة لكنها تقودنا كقراء إلى اكتشاف ما هو مجهول في الواقع وهذه إحدى وظائف الشعر الجوهرية. وهكذا تصبح المرئيات مصدر الوحي حيال الأشياء العليا الماورائية والمطلقة.
ويجب ألا يفوتنا أن نذكر أن ماري أوليفر كانت قارئة مدمنة لشعر جلال الدين الرومي، وقد صرحت مرة أن كتبه لا تغادر يديها.
رحلت ماري أوليفر عن عمر ناهز 83 عاماً في كانون الثاني\ 2019 في ولاية فلوريدا، وبهذا خسر الشعر الأميركي أحد أهم وأعمق أصواته الحديثة.
من أعمالها:
١-منزل الضوء
٢-لماذا أستيقظ باكراً
٣-ظمأ
٤-دليل
٥-خيول زقاء
٦-الورقة والسحابة
كما ألفت كتباً نثرية منها:
١- مراعي زرقاء
٢- قواعد للرقصة
٣- ساعات الشتاء
ومن إبداعها كان المترجم والأديب السوري اسامة اسبر قد نقل الى العربية الكثير من إبداعها الشعري ومنه نقنطف
حين يأتي الموت
حين يأتي الموت
كالدبّ الجائع في الشتاء
حين يجيءُ الموت ويُخْرج
جميع القطع النقدية اللامعة من محفظته
كي يشتريني، ثم يُغلقها مصدراً طقطقة.
حين يأتي الموت
مثل الجدري
حين يأتي الموت
كجبل جليدٍ بين لوحيْ الكتفين
أريد أن أدخل من الباب مليئةً بالفضول، وأتساءل:
كيف سيكون، كوخُ الظلمة ذاك؟
بالتالي سأنظر إلى كل شيء
كأخوة وأخوات
وإلى الزمن
على أنه ليس أكثر من فكرة
وسأعتبر الأبدية احتمالاً آخر
وسأفكر بكل حياة كزهرة، شائعة
كأقحوانة الحقل، ومفردة