أي حديث عن جبر الخواطر يتردد بين الناس ؟ وكيف نراهم يجبرون خواطر بعضهم ؟ وكيف يسود سلوك جبر الخواطر ؟ وما مدى تأثير الحكايات والقصص والروايات التاريخية عن جابري عثرات الناس؟ وهل يحمل كلّ من يسمى جابر شيئاً من هذا المعنى ، على اعتبار أن لكلّ من اسمه نصيب؟
لطالما كانت الصورة التقليدية مطبوعة بذهن القارىء العربي بذلك الوالي الذي ظلم من كان يمدّ له يد المساعدة دون علمه وندمه اللاحق وتكفيره عن ذنبه بتعويضه ومشاركته له في الولاية ، وهي قصة جديرة بالاحترام وتعد من عيون ونفائس القصص والروايات التي تهدف لترسيخ الأخلاق الحميدة وزرع بذور الخير في درب التعاملات البشرية ، وهي جديرة بالاتباع والتقليد الطيب في أيامنا الحالية ، ونحن نعيش ظروف الضنك والفاقة والحاجة والحصار النفسي ، ونشهد حالة التشظي والتباعد في العلاقات الإنسانية كنتيجة واقعية لتلك الظروف .
فهل نحن قادرون؟
وهل تشهد أيامنا حالات من جبر الخواطر ؟
وهل هي حالات فردية أم حالة كبيرة وسلوك اجتماعي واسع الطيف؟
الحقيقة أن مجتمعنا العربي على اتساع رقعة وجوده قدّم الكثير من روايات الكرم والعطاء والإيثار والتسامح والتضحية بالغالي والنفيس والمبادرة إلى فعل الخير وتقديم المساعدة دون طلب لمن لا يعرف ،
ولم تخل حقبة زمنية في أي مكان من هذه القيم والسلوك الطيب ، لكن بعضنا يعتقد أنها تراجعت في ظلّ الحال المتردي الذي وصلنا إليه بعد سنوات من حرب غبية وعدوان لم يتوقف ، أتى على الشجر والثمر والبشر في آن واحد ، فضاقت الأحوال وافتقر أصحاب الأموال وتاه الشباب في جهات الأرض الأربع واختلفت بهم المشارب والمواقف ، وضاعت الرؤى ووضع العقل في ثلاجة الزمن ، فهل ضاعت القيم ؟ وهل سقطت الأخلاق ؟
بالتأكيد لا
وبالمطلق أعتقد أنها ارتقت وعلت ووصلت مراحل القداسة في التضحية والعطاء ، وبدت أكثر حضوراً نظراً لضيق الحال وضعف الموارد ، فمن يعطي من قليل يملكه يكون فضله كبيراً وذا وقع أشد تأثيراً ، وصاحب العطاء في زمن القحط والفاقة يرتقي مكانة القديسين والعظماء .
في كلّ مكان من سورية ، وفي كلّ نقطة وصلها السوريون في مشارق الأرض ومغاربها تترسخ روايات جبر الخواطر بأبهى معانيها وأروع صورها ، فسنوات الحرب الطويلة لفظت أفراداً قليلين خارج دائرة الفعل والعطاء ، لكن المجموع الأكبر لم يتغير جوهره وإن بدا ذات يوم في موقف المواجهة ، لكنّه اليوم يجري مراجعة عميقة تتناول الحوادث والمواقف ، لكنّها لا تعيد النظر في الانتماء الاجتماعي لذلك النموذج المتفرد في تنوعه وعطائه الذي أبقى على علاقات الود بكلّ بساطة ومن دون تعقيد ترتقي فوق المفاهيم السياسية والأيديولوجية لتقول بلسان واحد :
فوق هذه الأرض ما يستحق الحياة دون تعقيد ، وما يجمع بين الناس فوق ما تباعده السياسات والأحزاب والتشكيلات ، فنرى الأيادي تمتد بالعطاء لمواجهة ما هو أكبر من الحرب وما هو أعتى من العدوان .
يمدون أيديهم بالعطاء لمواجهة خطر الفقر والجوع والحاجة بالأساليب والمقدرات المتوفرة بما يؤكد أن النبتة الأصيلة التي خرجت من هذه الأرض ما زالت ترتوي بجهود ومحبة وتعاضد الأهل والجيران .