د. مازن سليم خضور:
(داعش) الإرهابي اختصارٌ لما يسمى “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” وانتشر نفوذه بشكل رئيسي في العراق وسورية ثم انتقل إلى عدد من الدول مثل اليمن وليبيا ومصر ودول إفريقية وآسيوية أخرى.
(داعش) ليس فقط اختصارا للمدلول الحرفي وإنما اختصار لكل الحركات التي تتغطى بالدين لتنفيذ سياساتها الخاصة في تغليب المصالح الذاتية وداعميها ومشغليها على مصلحة القضايا الوجودية والأساسية وأي قضية للعرب أولى وأهم من القضية الفلسطينية، بل إن داعش وأخواتها استغلوا هذه القضية لترويج أفكارهم ونهجهم ومن ثم الحصول على مكتسباتهم!
فالتنظيم الأشهر يسير مع بقية رفقائه في الأسلوب من حيث الإدعاء أنهم ينتهجون عقيدة الجماعات “السلفية الجهادية” وهنا يكمن السؤال الأهم ..الجهاد أين وضد من؟
أولى القبلتين وثالث الحرمين ألا تعتبر أرض جهاد ورباط؟
أرض المقدس “القبلة الأولى” التي ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتوجهون إليها في صلاتهم إلى أن أمرهم القرآن بالتوجه إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، كما قال تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (سورة البقرة:١٥٠).
أرض المقدس التي أسرى منها سيدنا محمد (ص) ونزلت فيها سورة في القرآن الكريم (الإسراء) فقال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا} (سورة الإسراء:١).
القدس ثالث المدن المعظمة في الإسلام، بعد مكة المكرمة، التي شرفها الله بالمسجد الحرام، و المدينة المنورة، التي شرفها الله بالمسجد النبوي، والتي ضمت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم تأتي مدينة القدس أو بيت المقدس، والتي شرفها الله بالمسجد الأقصى، وفي حديث متفق عليه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا”.
لا أدعي أنني من الباحثين المختصين في الدين الإسلامي ولكن بمجرد بعض البحث والتمحيص وهنا سأكون ناقلا حرفيا عن الأحاديث الشريفة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أن أرض المقدس أرض جهاد ورباط حيث روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة: “أن رسول الله ﷺ قال: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تُقاتِلُوا اليَهُودَ، حتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وراءَهُ اليَهُودِيُّ: يا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرائي فاقْتُلْهُ”
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم: (٢٩٢١) حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: ” لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حتّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِن وراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ، فيَقولُ الحَجَرُ أوِ الشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ يا عَبْدَ اللهِ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعالَ فاقْتُلْهُ، إلّا الغَرْقَدَ، فإنّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ..“.
كذلك “عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَوَّلُ هَذَا الْأَمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ إِمَارَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَتَكادَمُونَ عَلَيْهِ تَكادُمَ الْحُمُرِ فَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جهادِكُمُ الرِّبَاطُ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رباطِكُمْ عَسْقَلَانُ” رواه الطبراني في المعجم الكبير، رقم (١١١٣٨).
بعد كل هذا يأتيك التنظيم الأشهر والذي ادعى أنه ثائر على نهج الخلافة ليقول إن قضية فلسطين ليست القضية الأولى!
ففي مقال لصحيفة “النبأ” التابعة للتنظيم المتطرف يبرر فيه عدم استهداف الكيان الغاشم بقوله إن القضية الفلسطينية ليست «قضية المسلمين الأولى»، وإنما القضية الأولى هي «إقامة التوحيد»، وأنَّ الجهاد فيها باطل، مادام سيُستبدل حكم اليهود فيها بحكم حاكم عربي جديد (الديمقراطية)، واصفًا فصائل المقاومة الفلسطينية بأنها رايات كفرية.
في العدد (٢٢) صحيفة “النبأ” التابعة للتنظيم إياه والتي صدرت في (١٥) شباط (٢٠١٦)، جاءت مقالة بعنوان “بيت المقدس قضية شرعية أولاً”، أكد فيها على أن القضية الفلسطينية لا تأتي قبل قضايا الجهاد الأخرى إذ قال: “لو نظرنا إلى أرض الواقع اليوم، لوجدناها تحكم كلها بالشرك وقوانينه، وخلال بقاع منها مكّن الله الدولة الإسلامية من إقامة الدين فيها.. بالتالي يتساوى الحكم على الجهاد في فلسطين مع غيره دون تمييز”.
وبعد ملحمة طوفان الأقصى لم يقم هذا التنظيم سوى بإشارة دعم ضمنية ليس إلا كما فعلت الأنظمة التي يدعي محاربتها وأن القتال الحق يجب أن يكون ضدها!
حيث اكتفت افتتاحية “النبأ” في عددها (٤١٢) الصادر بعد “طوفان الأقصى” تحت عنوان “نصرة المسلمين” بالحديث عن المحن والابتلاءات التي يتعرض لها المسلم، لافتة إلى أن الأخوة الإيمانية والتي تعد من صميم الإيمان تلزم ”المؤمن نصرة أخيه في المحن الواقعة عليه، وأشدها “تعدي الكافر عليه بقتل، أو أسر، أو تهجير”!.
هذا هو رأي داعش الذي ارتكب المجازر بأبشع صورها بحق المسلمين والذي سيطر على مساحات واسعة من الأراضي العربية وجذب إليه المسلمين بسبب تلطيه خلف الدين فما هو موقف باقي الفصائل الأخرى التي تدعي الدين فقط في شعاراتها وخطبها والتي أفتت صباح مساء بالجهاد على أرض سورية وغيرها والتي أخذت الأسماء والرايات والشعارات الدينية والدين الإسلامي منها براء، وعلى سبيل الذكر لا الحصر ما يسمى (جند الله؛ جيش محمد؛ جيش الصحابة؛ جيش الإسلام؛ جيش الراشدين؛ الجبهة الإسلامية؛ جيش المجاهدين؛ هيئة تحرير الشام؛ أنصار الشريعة؛ والقائمة تطول..)
في النهاية لن نزيد على ما قاله شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب حين قال “لن يرحمَ التاريخ كل مَن تخاذلوا في الدفاع عن الفلسطينيين الأبرياء، وكلَّ مَن دعم استمرار هذا الإرهاب الصـهيوني.