دفء المنازل بخطر وأزمة السجاد تضرب العائلات.. مدير النسيجية لـ”الثورة”: أسعارنا أقل والمخزون كافٍ لتلبية الطلب
الثورة – تحقيق جاك وهبه:
مع اقتراب فصل الشتاء وبدء انخفاض درجات الحرارة، تتوجه الأنظار نحو أسواق السجاد التي تشهد هذا العام ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، ما يثير قلقاً متزايداً لدى الأسر التي تعتمد على السجاد كإحدى الوسائل الأساسية لتدفئة منازلها.
ففي ظل الضغوط الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها شريحة واسعة من المواطنين، أصبح توفير السجاد، سواء المصنوع من الصوف الطبيعي أم الصناعي، تحدياً حقيقياً يضاف إلى قائمة الأعباء المعيشية، وتأتي هذه الزيادة في وقت حرج، حيث تتزايد الاحتياجات وتقل القدرة الشرائية، ما يجعل اقتناء السجاد ضرورة ملحة لكنها صعبة المنال بالنسبة للكثيرين.
اقتناؤه رفاهية
تشير التقديرات إلى أن أسعار السجاد الصوفي قد شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام، حيث تجاوزت نسبة الزيادة لبعض الأنواع 30% مقارنة بالعام الماضي، ما جعل اقتناءه رفاهية يصعب على الكثير من الأسر تحقيقها في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، ولم تكن أسعار السجاد الصناعي بمنأى عن هذه الارتفاعات، فقد زادت بحوالي 25%، ليصل سعر المتر الواحد من السجاد الصناعي إلى أكثر من 400 ألف ليرة، وهو مبلغ يتجاوز بكثير إمكانيات العديد من المواطنين.
عبء إضافي
وفي هذا السياق، تحدثنا مع عدد من المواطنين الذين أعربوا عن استيائهم الشديد من هذه الزيادة، ووصف بعضهم الأمر أنه “استغلال لحاجة الناس مع اقتراب فصل الشتاء”، وأوضحوا أن السجاد، الذي كان يعد حلاً اقتصادياً لتدفئة المنازل، بات اليوم عبئاً إضافياً على كاهل الأسر التي تعاني من غلاء المعيشة وتدني الأجور، كما أشاروا إلى أن الأسعار المتزايدة لا تقتصر على السجاد الصوفي فحسب، بل طالت السجاد الصناعي أيضاً، والذي كان يعتبر البديل الأكثر اقتصادية.
بعيد المنال
فاطمة، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، تجد نفسها في مواجهة واقع اقتصادي مرير يجعل من تلبية الاحتياجات الأساسية لعائلتها تحدياً يومياً، تقول فاطمة: “لم أعد أستطيع تحمل تكلفة شراء السجاد الجديد” ففي ظل الارتفاع الجنوني لأسعار السجاد وجميع المستلزمات المنزلية، باتت إمكانية استبدال السجاد القديم حلماً بعيد المنال.
وتضيف: “لدينا سجاد قديم، لكنه لم يعد يوفر التدفئة التي نحتاجها”، فالسجاد الذي خدم أسرتها على مدار سنوات لم يعد قادراً على حماية أطفالها من برودة الأرضيات في الشتاء، وهو ما يثير مخاوفها مع اقتراب موسم البرد.
وتستطرد فاطمة قائلة: “من دون سجاد جديد، سيكون الشتاء قاسياً علينا”، فالعائلة بأكملها تعتمد على السجاد ليس فقط لجعل المنزل مريحاً، بل للحفاظ على درجة حرارة مناسبة في الداخل، وخاصة مع شح وسائل التدفئة الأخرى وغلاء أسعار الوقود.
أمام خيارين
ويعبر أحمد، موظف حكومي وأب لعائلة صغيرة، عن استيائه الشديد من الارتفاع المستمر في أسعار السجاد والسلع الأساسية، التي باتت تؤثر بشكل مباشر على جودة حياة الأسر، ويقول: “الأسعار أصبحت مرتفعة جداً”، فبالنسبة له، كان بإمكانه سابقاً تخصيص جزء معقول من دخله لشراء سجاد جيد يلبي احتياجات منزله ويوفر الدفء لأفراد عائلته.
ويضيف أحمد: “في السابق، كنت أستطيع شراء سجاد جيد في حدود ميزانيتي، فقد كان السوق يقدم خيارات متنوعة من السجاد بمواصفات تلائم ميزانيات الطبقة المتوسطة، ما جعل عملية شراء السجاد أمراً بسيطاً لا يشكل عبئاً كبيراً، لكن الوضع الآن مختلف تماماً، فقد شهدت الأسواق ارتفاعات حادة في الأسعار جعلت حتى السجاد الرخيص خارج نطاق المتناول بالنسبة للكثيرين”.
ويتابع: “الآن، أصبحت الخيارات محدودة للغاية، حتى السجاد الرخيص لم يعد متاحاً”، ويشير أحمد إلى أن الخيارات المتبقية أصبحت لا تتناسب مع احتياجاته أو ميزانيته، ما يجعله أمام خيارين: إما تحمل برودة الشتاء دون سجاد جديد، وإما التضحية بجوانب أخرى من احتياجات عائلته الأساسية لتوفير المال لشراء سجاد لا يرقى حتى إلى مستوى السجاد الذي كان متاحاً سابقاً.
تكاليف الإنتاج
من جهة أخرى يبدو أن التجار أيضاً يعانون من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تضغط على كاهل المستهلكين رغم اختلاف طبيعة تأثيرها عليهم، وأبدى البعض تفهمهم للوضع الراهن والصعوبات التي يواجهها المواطنون في تأمين احتياجاتهم الأساسية، وتحدث أحدهم بصراحة عن العوامل التي أدت إلى هذا الارتفاع الكبير في الأسعار، قائلاً: “الأسعار ارتفعت بسبب زيادة تكاليف الإنتاج والنقل” فالارتفاع العالمي في أسعار المواد الخام، إلى جانب تضاعف أسعار الوقود والتكاليف التشغيلية الأخرى، ساهم بشكل مباشر في زيادة أسعار السجاد والعديد من المنتجات الأخرى.
وأوضح التاجر الذي فضل عدم ذكر اسمه أن الطلب على السجاد يشهد ارتفاعاً ملحوظاً مع اقتراب فصل الشتاء، مما يضيف ضغوطاً إضافية على السوق، ويتزامن هذا الطلب المتزايد مع تقلص العرض المتاح نتيجة التحديات اللوجستية التي تواجه التجار والمصنعين، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار.
ورغم هذه الظروف الصعبة، أكد التاجر أنهم يبذلون قصارى جهدهم لتقديم حلول تناسب مختلف الفئات الاجتماعية، ويسعون إلى تنويع المنتجات المتاحة في الأسواق، بحيث تتوفر أنواع مختلفة من السجاد بأسعار متفاوتة، تتيح للمستهلكين اختيار ما يناسب إمكانياتهم.
مخزون كاف
في هذا السياق، قامت “الثورة” بتوجيه عدد من الاستفسارات إلى الشركة العامة للصناعات النسيجية، المسؤولة عن معمل الأصواف والسجاد، بهدف توضيح دورها في التدخل الإيجابي في الأسواق وتحديد أسعار السجاد المتاحة للمستهلكين، وفي ردّه على هذه الاستفسارات، أكد مدير عام النسيجية المهندس حسن السيد أن معمل الصوف والسجاد جاهز تماماً لتلبية احتياجات السوق المحلية من السجاد الصوفي بنسبة 100%، وأضاف أن السجاد يتوفر بتشكيلة متنوعة من النقوش والألوان.
وأوضح المهندس السيد أن الطاقة الإنتاجية السنوية للمعمل تصل إلى حوالى 15,000 متر مربع، وأشار إلى أن الشركة تمتلك مخزوناً كافياً من السجاد الصوفي استعداداً لموسم شتاء 2024-2025، مما يعزز قدرتها على تلبية احتياجات المستهلكين خلال الفترة القادمة.
285 ألفاً للمتر
وفيما يتعلق بالأسعار، بين السيد إلى أن سعر المتر المربع من السجاد الصوفي يبلغ حالياً 285,000 ليرة سورية، وقد تم تحديد هذا السعر بناءً على التكاليف الفعلية للمنتج، مع إضافة هامش ربح بسيط، رغم الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الأولية وقطع الغيار، وفي المقابل- يضيف السيد- تتراوح أسعار السجاد الصناعي في الأسواق بين 350,000 و600,000 ليرة سورية للمتر الواحد.
50 عاماً
وتحدث مدير الصناعات النسيجية بتفصيل عن التحديات الكبيرة التي تواجهها الشركة في عمليات الإنتاج والتوزيع، وأشار إلى أن النقص الحاد في العمالة المؤهلة يعتبر من أبرز التحديات، وأن متوسط أعمار العمال الحاليين مرتفع جداً، مما يؤثر على كفاءة العملية الإنتاجية واستمراريتها، وأضاف أن الأنوال المستخدمة في المعمل قد تجاوز عمرها 50 عاماً، مما يجعلها غير قادرة على مواكبة التكنولوجيا الحديثة ويزيد من تكاليف الصيانة والإصلاح.
إلى جانب ذلك، أوضح المهندس السيد أن الشركة تواجه ضغوطاً إضافية نتيجة التضخم العالمي الذي تسبب في ارتفاع أسعار المواد الأولية بشكل كبير، هذا بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، والتي تعرقل استيراد القطع التبديلية والمواد الأساسية اللازمة للعملية الإنتاجية، مما يفاقم من الصعوبات ويزيد من التكاليف التشغيلية للشركة.
تقنيات جديدة
وعلى الرغم من هذه التحديات أكد المهندس السيد على وجود خطط مستقبلية تهدف إلى زيادة الإنتاج وتحسين الجودة، من خلال تحديث آلات النسيج في معمل سجاد دمشق وإدخال تقنية المحافظ الإلكترونية، التي ستساهم في إضافة نقوش جديدة وبجودة عالية، وأكد أن الشركة تعمل بكل إمكانياتها لزيادة الإنتاج وتقليل التكاليف، لمواجهة تحديات ارتفاع أسعار المواد الأولية.
حلول مستدامة
في الختام.. يتضح أن ارتفاع الأسعار يعكس واقعاً اقتصادياً مؤلماً تعيشه الأسر السورية، حيث أصبح الحصول على سجاد يلبي متطلبات التدفئة في فصل الشتاء تحدياً يُثقل كاهل العائلات، مما يجعل هذه الحاجة الأساسية رفاهية بعيدة المنال، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، تبرز أهمية إيجاد حلول مستدامة تضمن توفير السجاد بأسعار معقولة تلبي احتياجات المواطنين، مع مراعاة تكاليف الإنتاج والضغوط اللوجستية.
ومن الضروري أن يتعاون التجار والمصنعون لإيجاد توازن بين الأسعار والقدرة الشرائية للمستهلكين، مع دعم السياسات الحكومية التي تسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وتخفيف الأعباء على الأسر.
وبذلك، يبقى الأمل معقوداً على إيجاد حلول فعالة تكفل الدفء والراحة للعائلات السورية في فصل الشتاء، وتعيد للسجاد مكانته كعنصر أساسي يُسهم في توفير بيئة منزلية مريحة، بدلاً من أن يتحول إلى رمز للترف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.