لعل الحقيقة المعروفة أن لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، ولا أحد يعرف كل شيء، فالأمور والمعارف تبقى نسبية، إلا من أولئك الجاهلين ممن يرفعون أصواتهم معلنين أنهم يمتلكون كامل المعرفة، وأنهم وحدهم أصحاب الحق، فهم منزهون عن الخلل أو الخطأ، وأن على غيرهم الانصياع لمواقفهم والقبول بآرائهم والخضوع لهم في كل ما يريدون.
وهنا قد أجد العذر لغير المتعلمين، ممن لم تسمح لهم الظروف في معرفة ما حولهم فعاشوا في بيئات مغلقة لا يعرفون إلا طريق العمل الفردي، لكن المأساة تكمن في الذين يتباهون بشهاداتهم الجامعية في الاختصاصات المختلفة، وتراهم لا يرون أبعد من رؤوس أنوفهم، فيصدرون أحكاماً قطعية أساسها الجهل وقلة المعرفة، ويتشبثون بتلك الآراء والمواقف باعتبار أنها صدرت عن شخصيات معصومة عن الزلل، وهي مرجعياتهم التي لا يرون غير ما ترى.
وهنا فإنهم لا يبدون استعداداً أبداً لتفعيل العقل والتفكير في أي مسألة، ولا حتى استعادة المعارف والعلوم التي تلقوها وناقشوا تفاصيلها، فهي قد غدت عندهم خارج الاستخدام باعتبار أحد المرجعيات ممن فشل في تحصيله الدراسي، فتوجه إلى دروب العرافات واستغلال بساطة الناس، فاكتسب حضوراً اجتماعياً كبيراً، جعل من حاملي الشهادات الجامعية العليا يقفون بين يديه مستلبين، ويطلبون رضاه في كل حركة.
أما العملية الأدهى من ذلك فهي عدم قبول النقاش الموضوعي أو حتى سماع أي صوت يدعو للتفكير، ليبقى خط التجهيل حاضراً بقوة في اللقاءات والاجتماعات المختلفة، يبدؤها جاهل متغطرس بتحديد مسارات الحياة ويلحق به مؤيدون أكثر جهلاً يتراءى لهم الحق حيث يخطو صاحبهم، فيغرق ويغرقون، وتضيع الحكاية.

السابق
التالي