الانسجام المجتمعي.. بين التعددية والانصهار القسري

سلطان الكنج:

يُعرَّف الانسجام المجتمعي، في أدبيات العلوم السياسية وعلم الاجتماع، بأنه قدرة المجتمع على إدارة التعددية داخله بطريقة تتيح للأفراد والجماعات التعايش المشترك ضمن إطار قانوني ومؤسسي، دون أن تتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات مدمرة.

وهذا المفهوم يختلف جذرياً عن “التجانس القسري” الذي فرضته الأنظمة الشمولية، حيث يُختزل المجتمع في لون واحد، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليتطابق مع رؤية الحزب الواحد.

في جوهره، الانسجام لا يقاس بمدى التشابه بين المواطنين في الرأي أو الانتماء، بل بمدى قدرة الدولة على صياغة عقد اجتماعي يضمن أن يعيشوا معاً، رغم الفوارق، تحت سقف قانون يطبّق بعدالة على الجميع.

التماثل الكامل ليس ممكنًا ولا مرغوباً؛ فالاختلاف جزء من الطبيعة الإنسانية.

حتى داخل الأسرة الواحدة، حيث الروابط البيولوجية والروحية، نجد تفاوتاً في الرؤى والأفكار .

تاريخيًا، هناك نمطان رئيسيان للتعامل مع التنوع: الأول يقوم على الاعتراف به وإدارته، والثاني على إنكاره وقمعه وتجييره لصالح الحزب والسلطة الشمولية.

النمط الأول، الذي نجده في عدد من الديمقراطيات المستقرة، يعترف بأن التعددية العرقية والثقافية والدينية ليست عبئًا، بل مصدر إثراء للمجتمع إذا ما أُديرت بعقلية تقبل الآخر.

في هذا النموذج، يتمحور دور الدولة حول حماية حقوق الأفراد والمجتمع ككل، وصيانة الهويات الفرعية بدل محوها، وتوفير إطار قانوني ومؤسسي يضبط العلاقة بين المكونات المختلفة.

انسجام التعايش

مثال هذا النموذج ما تطبقه اليوم الدول الغربية، هناك ستلاحظ مشهداً يومياً يختصر فلسفة التعايش الطوعي.

لنفترض أنك صعدت إلى حافلة في برلين، أو ترام في أمستردام، أو مترو في باريس، ستجد في العربة الواحدة عدداً من الأشخاص من ألوان وأعراق وأديان مختلفة: شاب إفريقي يجلس بجانب مسن أوروبي، سيدة محجبة تعمل مع زميلتها غير المحجبة، طالب آسيوي يحمل كتبه ومعه عدد من زملائه من بلدان شتى، وعامل من أميركا اللاتينية يستعد للنزول إلى عمله. هذا التنوع لم تفرضه سلطة قاهرة، بل جاء بفعل انفتاح اقتصادي وسياسي وتشريعات تحترم حقوق الأفراد والمجتمعات، ومع مرور الوقت تشكلت بين هؤلاء علاقات صداقة وزمالة وشراكة، رغم اختلاف الهويات والانتماءات.

هذا المشهد يلخص جوهر الانسجام الحقيقي: أن تتعايش هويات متعددة في الفضاء العام دون أن يفرض أحدها هيمنته على الآخر، ودون أن يتحول الاختلاف إلى صراع صفري.

هذا النوع من الانسجام يقوم على القبول المتبادل والاقتناع بأن الاختلاف لا يلغي العيش المشترك، وأن مصلحة الفرد مرتبطة باستقرار المجتمع ككل.

فلا أحد في تلك الحافلة مجبر على تغيير لونه أو دينه أو لغته، لكنه يدرك أن احترام القوانين والنظام العام هو ما يتيح له الاستمرار والنجاح.

أما النمط الثاني، فهو “الانسجام القسري” الذي يسعى إلى إنتاج صورة لمجتمع متجانس أيديولوجياً، وذلك عبر أدوات الإكراه السياسي والأمني، وهيمنة الخطاب الواحد، ومصادرة أي تعبير مخالف.

هذا النمط يخلق استقراراً ظاهرياً سرعان ما ينهار عند تراجع قبضة السلطة، إذ تعود الهويات المكبوتة إلى محورها كرجال دين أو شيوخ عشيرة، في صورة صراعات حادة.

التجانس القسري وتجاربه الفاشلة التجربة السوفيتية مثال للنمط الثاني؛ فقد سعى الاتحاد السوفيتي إلى دمج عشرات القوميات في هوية “المواطن السوفيتي”، عبر السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة، وفرض أيديولوجيا الحزب الشيوعي باعتبارها المرجعية العليا.

فقد جمع شعوباً متعددة الأعراق واللغات تحت سلطة مركزية صارمة، وحاول إذابة الفوارق بالقوة، سواء عبر فرض اللغة الروسية على الجميع، أو عبر السياسات التي تجرّم التعبير عن الهوية المحلية.

كان الانسجام هناك ظاهرياً، يخفي تحته مشاعر كبت وتذمّر، بدا هذا النموذج ناجحاً ظاهرياً لعقود، لكن مع بداية تفكك المركز في أواخر الثمانينيات، استعادت القوميات هوياتها الأصلية، وانفرط عقد الاتحاد بسرعة، وفي بعض الحالات عبر مواجهات دموية.

لقد أثبتت التجربة أن التجانس القسري ليس إلا غطاء هشاً يخفي تحت السطح توترات تاريخية وثقافية لم تُحل.

في الحالة السورية، اعتمد نظام الأسد الأب والابن مقاربة مشابهة؛ إذ روّج لفكرة أن المجتمع السوري متجانس خلف الحزب والقائد، وأخضع الهويات المذهبية والقومية والسياسية لمنظومة من الرقابة والإنكار.

أعيد تعريف الوطنية لتتطابق مع الولاء للنظام، وتم شيطنة المعارضين ووصمهم بالخيانة، ما رسّخ في الوعي الجمعي أن الاختلاف في الرأي يعادل العداء للوطن ويساوي الخيانة.

لكن مع تفجر الثورة السورية ضده، ظهرت الانقسامات التي هي حقيقة، كان النظام يحاول إخفاءها، فعاد كل مكوّن إلى هويته كملاذ في ظل غياب دولة القانون.

فـ”نظرية الهوية الاجتماعية” تشرح كيف يسعى الأفراد إلى تعزيز انتمائهم لجماعاتهم عندما يشعرون بالتهديد أو التهميش، وهو ما يحدث عادة في البيئات التي تغيب فيها العدالة وتُقمع فيها التعددية.

كذلك، تشير نظرية “العقد الاجتماعي” إلى أن شرعية الدولة تقوم على رضا المحكومين واستعدادهم للتنازل عن بعض حرياتهم مقابل ضمان حقوقهم الأساسية، وهو ما يتطلب إطاراً جامعاً لا يلغي الهويات بل يحميها.

سوريا المستقبل: حو عقد اجتماعي جامع

بالنسبة لسوريا المستقبل، فإن بناء انسجام مستدام يتطلب القطيعة مع إرث الانصهار القسري، والانتقال إلى عقلية الدولة التي للجميع، كعقد اجتماعي يضمن سيادة القانون، ويؤسس لمؤسسات محايدة، ويعيد تعريف الوطنية على أساس جامع.

ويعني أيضاً الاعتراف بحقوق المختلف، طالما هو فقط يختلف معك بالرأي، لم يحمل سلاحاً، ولم يرتكب جرماً تشبيحياً.

من الأمثلة التي يمكن أن تلهمنا: في بعض المدن السورية، ورغم شدة الصراع، حافظت الأسواق على تنوعها.

في سوق الحميدية بدمشق، مازال التاجر المسيحي يتبادل التحية مع جاره المسلم، وكلاهما يعرف أن رزقه مرتبط باستمرار هذا التعايش.

وفي الحسكة، تجد الأكراد والعرب والسريان يتشاركون الأعمال الزراعية والتجارية، رغم التوترات السياسية.

هذه النماذج الواقعية تثبت أن التعايش ممكن حين يرتبط بالمصلحة اليومية المشتركة، لا بالشعارات الفارغة.

التعددية كمصدر قوة لا تهديد

إن الدولة التي تفهم الانسجام بوصفه عملية حيوية لإدارة التنوع، لا كحالة تسكينية من التجانس الزائف، هي الدولة التي تستطيع الصمود أمام الأزمات.

أما الدولة التي تراهن على القسر والإكراه لإنتاج صورة موحدة، فإنها تكرر أخطاء أنظمة الاستبداد.

في النهاية، الانسجام الحقيقي ليس في أن نصبح جميعًا متشابهين، بل في أن نحتفظ باختلافاتنا ونتشارك معاً في بناء وطن واحد، حيث يحكمنا قانون عادل ويجمعنا شعور مشترك بالمسؤولية تجاه الوطن.

إنه مشروع طويل الأمد، لكنه وحده الكفيل بتحويل تعددية الهويات من مصدر تهديد إلى مصدر قوة، ومن عبء إلى رصيد استراتيجي لبقاء الدولة وتطورها.

آخر الأخبار
مشاركون في معرض دمشق الدولي لـ"الثورة": عقود تصدير وجبهات عمل من اللحظة الأولى  معرض دمشق الدولي .. عندما تحوك سوريا ثوب السياسة بخيوط الاقتصاد  توطيد التعاون التربوي مع هيئة الاستثمار السعودي لتطوير التعليم الافتراضي  د. أحمد دياب: المعرض رسالة اقتصادية قوية ومهمة  د. سعيد إبراهيم: المعرض دليل على انتعاش جميع القطاعات "نشبه بعضنا" أكثر من مجرد شعار.. الجناح السعودي يتألق في معرض دمشق..  بعد استكمال إجراءات فتح طريق دمشق- السويداء.. دخول أول قافلة مساعدات أممية إلى المحافظة محمد كشتو لـ"الثورة": المعرض نافذة حقيقية للاقتصاد السوري "المالية" تطلق "منصة الموازنة" لتعزيز كفاءة إعداد الموازنات الحكومية في جناح " الزراعة " منتجات للسيدات الريفيات المصنّعة يدوياً.. مساحة تفاعلية تجمع بين الخبرة والإ... تشغيل بئر مياه جديدة في حمص خطة شاملة لتعزيل وصيانة المصارف والأقنية في الغاب لعام 2025 انضمام المصارف إلى نظام SWIFT.. بوابة نحو عودة الاستثمارات وتعافي الاقتصاد مشكلة مياه الشرب مستمرة.. وبصيص نور كهربائي في تل الناقة طريق حلب- غازي عنتاب.. شريان سوريا الشمالي يعود للحياة من جديد منظمات خيرية تدعو لدعم فوري.. إشادة واسعة بمكافحة التسول في حلب وائل علوان لـ" الثورة": معرض دمشق الدولي منصة لتثبيت استقرار سوريا  معرض دمشق الدولي الـ62.. سوريا تفتح أبوابها مجدداً للعالم أونماخت يؤكد أهمية استمرار الحوار والتعاون البناء مع سوريا  "سيريتل" تطلق عهداً جديداً للتواصل والخدمات