الثورة – عبير علي:
تتألق الآلات الموسيقية الشرقية في جناح الصناعات اليدوية ضمن جمعية الشرقيات بدمشق، إذ يتواجد الحرفي بشار جودت الحلبي مع أعواده التي صنعها بفن وإبداع، وظهر تواصل مميز مع هذه الآلات التي تمثل جزءاً من تراثه، قائلاً: صناعة العود الدمشقي لها خاصية مميزة عن باقي الأعواد، فهي تتميز بمواصفات إبداعية من حيث الشكل والقياس، لينتج منها صوت طربي رائع وعلامات موسيقية متوازنة.
يعود بنا الحلبي إلى بداياته في عالم صناعة العود، يقول: منذ وعيي وأنا أشاهد والدي وأخي الأكبر يشتغلان على صنع الأعواد المميزة، ومن عام 1933، بدأ والدي يتخصص في صناعة العود والقانون الدمشقي، وكان يصنعهما يدوياً عبر جميع مراحلهما.
ويضيف بفخر عن تاريخ عائلته العريق في الموسيقا، إذ درس والده الموسيقا في المعهد العربي للموسيقا على آلة الكونترباس، ثم انتقل للعزف على آلتي العود والقانون لتجريب الأعواد التي كان يصنعها.
وعن المواد المستخدمة في صنع الأعواد، فهي خشب الجوز والمشمش والسرو، بينما يبرز خشب الشوح في واجهة العود، ويشير كذلك إلى أهمية الزخرفة إذ يتم استخدام الموزاييك والصدف وعظم الجمل، وكل عنصر له موقعه الخاص في تشكيل هذا الفن الراقي.
قصة شغف وإبداع في صناعة العود
يتحدث الحلبي بفخر عن مسيرته الطويلة في عالم صناعة الأعواد، أثناء دراستي في الثانوية الصناعية بدمشق، كنت أذهب إلى دكان والدي المعروف في طريق الصالحية جسر الأبيض، لأساعده ببعض الأعمال في صناعة الأعواد، مع مرور الوقت، أحببت هذه المهنة التي تعكس شغفاً بالابتكار والفن، واستقرت بي الظروف لأعمل في هذا المجال بجانب والدي وإخوتي.
بفضل تلك البداية، أسس ورشته الخاصة لصناعة العود في لبنان في منتصف ثمانينات القرن الماضي، “تجولت بين الورش حسب الظروف، من لبنان إلى دمشق وريفها، ثم لاحقاً، ومع تطور الظروف، أنشأت ورشة في كندا لصناعة العود الدمشقي مع ابني خالد، مشيراً إلى نجاحاته في المهجر “بعد عدة سنوات، أسست ورشة في ألمانيا مع ابني جودت، وكانت الأعواد التي صنعت في كندا وألمانيا تتميز باستخدام الأخشاب الأجنبية، ما أضفى طابعاً خاصاً على كل آلة”.
إبداع التراث الموسيقي
حديثه عن جديد الأعمال لا يقل شغفاً وإبداعاً، يقدم الحلبي مجموعة من الأعواد التراثية التي تشكل جزءاً من تراث العود الدمشقي.
ولتقديم لمسة جديدة ومبتكرة، ابتكر تقنية فريدة تلبيس ظهر العود بفسيفساء ناعمة تتكون من قطع خشبية، تشكل حارة شامية من دمشق القديمة.
استخدمت ألوانا طبيعية للخشب لتبرز جمال هذه الفسيفساء، ما يعكس روح التراث الدمشقي ويعطي كل آلة لمسة فنية فريدة، هذا الابتكار لا يجسد فقط الحفاظ على التراث، بل يُعزز أيضاً من مكانة العود كآلة موسيقية تحمل في طياتها تاريخاً عريقاً وإبداعاً مستمراً، ما يثري تجربة العازفين والمستمعين على حد سواء.
يعتبر الحلبي مشاركته في الدورة 62 من معرض دمشق الدولي فرصة لا تُعوض، خاصة بعد سنوات من الانقطاع بسبب الأزمات التي مرت بها سوريا، من الضروري بالنسبة لي أن أكون جزءاً من هذه الدورة، فهي تحمل أهمية كبيرة في إعادة إحياء المشهد الفني والثقافي الذي كان قد تأثر كثيراُ بالأحداث السابقة.
ويضيف: مع الفرحة التي اجتاحت البلاد بعد التحرير، أشعر أن الوقت قد حان لنعود معاً لنبني ونستعيد ما فقدناه، هذه المشاركة ليست مجرد عرض للأعواد التي صنعتها، لكنها رمز للأمل والتجدد في مجتمع يحب الفنون والثقافة، تشكل هذه المشاركة بالنسبة له فرصة للتواصل مع الجمهور، ومشاركة شغفه وحرفته، في زمن تتجدد فيه الآمال، وتُبنى فيه أحلام جديدة.
بشار جودت الحلبي ليس مجرد حرفي، بل هو مبدع يحمل على عاتقه تراثاً فنياً عريقاً، يسعى جاهداً للحفاظ على رونق صناعة العود الدمشقي ونقله عبر الأجيال، من خلال أعماله الجديدة، يهدف إلى إحياء الفنون التقليدية في قالب عصري، مجسداً روح دمشق القديمة بلمسات فنية حديثة، ما يعكس التفاني في الحفاظ على التراث وإثراء المشهد الثقافي المعاصر.