الثورة – لانا الهادي:
على مدى عشر سنوات، عاش يزن شبعانية في ألمانيا، يحمل خبرة عميقة في الصناعة اليدوية، ويمتلك أدوات النجاح في دولة تُعتبر من بين الدول الأقوى صناعياً في العالم، لكنه رغم ذلك لم تغب عن ذاكرته لحظة واحدة ملامح معمل والده “أبو راتب شبعانية”، أحد أبرز صُنّاع النحاسيات في دمشق القديمة.
يزن، الذي نشأ وسط المطارق والنار ورائحة المعدن الذائب، لم ينسَ هويته، ولم يتنكر لمهنته التي يعتبرها “ثقافة كاملة لا مجرد حرفة” اختار العودة إلى سوريا، متحدياً الظروف الاقتصادية والمعيشية، ليكون فاعلاً في إعادة إحياء ما يسميه “الروح الدمشقية” في صناعة النحاسيات، المهنة التي بدأت بالانقراض مع مرور الزمن.
يقول يزن: “لم أعد قادراً على العيش في الغربة، وأرى أن مهنتنا تندثر، عدت كي أحافظ عليها، و يتعلمها أولادنا وتكمل السلسلة” .
تجربة في معرض دمشق الدولي
في أول مشاركة له ضمن معرض دمشق الدولي، أعرب يزن عن اندهاشه من التنظيم والدعم المقدم للحرفيين، مضيفاً: إن هذا النوع من الفعاليات هو فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للحرف اليدوية.
يضيف يزن” لم أتوقع أن أرى تنظيماً كهذا فكل الجهات عملت لتكون الصورة جميلة، وهذا الشيء يعطينا أملاً أن تعود المهنة إلى تألقها”.
وعلى الرغم من أنها أول مشاركة محلية، إلا أن يزن ليس غريباً عن المعارض، إذ سبق له أن مثّل سوريا في معارض خارجية في الخليج العربي، وفي أستراليا، والسودان، والأردن، وكان دائماً يحمل معه صورة مشرقة عن الصناعة السورية.
تحديات الماضي… وإرادة الاستمرار
خلال سنوات الحرب، واجهت صناعة النحاسيات – كما الكثير من المهن اليدوية– تراجعاً كبيراً، بفعل هجرة الحرفيين، ونقص المواد الأولية، وصعوبة الحصول على مصادر الطاقة لتشغيل الآلات.
كما لم تكن بعض الجهات في فترات سابقة عوناً، بل كانت تأخذ من المصانع عنوة من دون تعويض، كما حصل مع مصنع عائلة شبعانية الذي تعرض للسلب أكثر من مرة من قبل الفرقة الرابعة، كما يروي يزن، “كنا نصنع بظروف شبه مستحيلة… لا غاز ولا مازوت، والآلات تتوقف، وفوق ذلك كان الظلم من جهات لم تكن تحمينا، بالعكس كانت تأخذ منّا غصباً”.
وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، يرى يزن أن الروح السورية في الصناعة لا تزال حية، وأن التفرد الحقيقي يكمن في “النَفَس اليدوي” الذي لا يمكن تقليده أو استنساخه.
إصرار على النجاح
منذ ديسمبر الماضي، بدأ يزن مشروعه الجديد في سوريا، متخذاً من العودة بداية جديدة، لا مجرد تجربة مؤقتة. ومن خلال المعرض، لمس نتائج إيجابية على الصعيد التجاري والثقافي والصناعي، مؤكداً أن الدعم الحكومي هذه المرة أسهم في تحريك الأمل داخل كثير من الحرفيين الذين كانوا قد فقدوا شغفهم بالمهنة.
وقدم الشكر للحكومة والمؤسسات الداعمة، لتحقيق الحلم والعودة إلى الوطن وحب المهنة من جديد”.
قصة يزن شبعانية ليست مجرد قصة عودة من الغربة، بل قصة إيمان عميق بالهوية، بالمهنة، وبالوطن. هي قصة إنسان واحد… لكنها تعكس حكاية شعب يريد أن يُعيد بناء بلده لا بالحجارة فقط، بل بالإبداع، واليد، والحب.