ثورة اون لاين – خالد الأشهب
يمكنك، وأنت جالس مكانك وحيث تكون، أن تستطلع رأياً عاماً أو ما يشبهه هنا وآخر أو ما يقاربه هناك، من خلال التعليقات والمشاركات التي تنشرها المواقع الإلكترونية في معظمها، وخاصة تلك ذات الطابع السياسي في نهاية ما تنشره من أخبار وتقارير وتستخدم ميزة الفيديو لتثبيت مصداقية ما تنشر.
ولأنني بتُّ شغوفاً بمتابعة تلك التعليقات الشخصية أو الفردية التي يكتبها القراء ويرسلونها، فقد صرت أعيرها من زمن القراءة والمتابعة أكثر كثيراً مما أعير الأخبار والتقارير نفسها، ذلك أنها، إلى حد بعيد، باتت مقياساً لرأي عام هنا وآخر هناك، يتشكل عفواً وعلى الفور تحت كل خبر أو تقرير ينشره هذا الموقع الإلكتروني أو ذاك. وما يثير هنا بوضوح أن حجم التعليقات والمشاركات القادمة من مجتمع ما كالمجتمع السعودي يؤشر إلى متناقضين أساسيين:
الأول: اتساع رقعة حضور الإعلام الإلكتروني في هذا المجتمع من خلال حجم التعليقات والمشاركات الواردة من هناك، والذي يعني حضوراً واسعاً للتقنية ومنتجاتها الحضارية يفسرها بطبيعة الحال مستوى المعيشة المرتفع فحسب دون غيره!
الثاني: الانحطاط الصادم في البنية الذهنية الفكرية والثقافية للمشاركين ومستخدمي التقنية واغلبهم من الشباب، إلى الدرك الأعمق من التعصب المذهبي الأعمى ومن الانفلات الغرائزي الحيواني ومن التماهي الفكري والثقافي الواضح بين القاعدة والرأس في هذا الهرم المجتمعي القطيعي السعودي!!
غير أن المشاركات والتعليقات القادمة من أمكنة ومن كيانات سياسية واجتماعية عربية أخرى ليست أفضل حالاً بكثير من نظيرتها القادمة من السعودية.. وإن كانت لا تضاهيها أبداً من حيث العدد أو الغلو في الطروحات والآراء، ما يعني أن المستويات العامة للوعي العربي والإسلامي، والسياسي خاصة.. متدنية أولاً، ثم متفاوتة في درجات تدنيها ضمن تصنيفات الانحطاط والخواء والتسطيح، والخالية تماماً، إلا ما ندر منها، من أي مضامين فكرية أو ثقافية إيجابية؟
على هذه القاعدة من انحطاط المشاركين من أصحاب التعليقات والردود على المواقع الإلكترونية الإخبارية والسياسية، وعلى قاعدة أحط منها في ما يتصل بالرأي العام السعودي، تصير مستغربة ومثيرة للدهشة تلك النصيحة التي قدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لحكام السعودية منذ أشهر قليلة، حين لفتهم إلى أن التهديدات التي تتناول عروشهم ستأتيهم من شبابهم أولاً وليس من الخارج.. فهل الأميركيون لا يعرفون حقاً أن الشباب السعودي المعني بنصيحة أوباما لا يشكل تربة للثورة ضد حكامه، وأنه يتبادل معهم الانحطاط بالانحطاط؟
وإذا صح اعتبار أن ما يدور على المواقع الإلكترونية من مشاركات وردود أفعال يشكل نوعاً من استطلاعات الرأي العام.. وأنا أعتقد أنه كذلك فعلاً، فإن هذا ينبغي أن يؤسس لضرورة دراسة هذه الظاهرة التي يمكن تسميتها «الظاهرة السعودية»، والتي لا تتساوق أبداً مع منتجات علم الاجتماع ولا مع أدبيات الفكر السياسي والاجتماعي وتجاربه التاريخية، بل لا تتساوق مع أي تاريخ وتجربة سابقة؟!