ثورة أون لاين – بقلم رئيس التحرير علي قاسم:
لم تستطع جولة جنيف الثامنة أن تُجري جردة الحساب المنتظرة، وبدأت مؤشرات إجهاضها سابقة لجميع المعطيات الأخرى، نتيجة المعادلات التي تم تركيبها بالمقلوب، ولتأخذ الأمور في شد عكسي، بسبب عدم قدرة البعض على استيعاب المتغيرات والبناء العملي على سياق ما نتج عنها في المسارين السياسي والميداني، باعتبارهما انعكاساً يقود إلى المؤشر ذاته.
وجاءت العربدة الإسرائيلية تتويجاً لحملة السعار المرافقة لها، والتي تمخضت عن الدفع باتجاه تفجير الأوضاع، بعدما عجزت عن إنتاج مسار موازٍ يخفف أعباء الحالة السياسية القائمة التي تواجهها منظومة العدوان، ويكون ورقة عون للمرتزقة والإرهابيين الذين بدؤوا رحلة الأفول، سواء حضرت إسرائيل بالأصالة عن نفسها أم اكتفت بالوكلاء في محاولة يائسة لاطفاء ما تبقى من المسار السياسي الذي فشلت أدوات الرياض وما فرخته لاحقاً عن فعل ما يمكن التعويل عليه.
فالمصادفة لا يمكن أن تكون وحدها السياق الذي ينتج كل ذلك التصعيد، ويكون بالتوازي مع جملة من حالات التعبئة والتحريض على المسار السياسي، الذي جاء متخماً بالأفخاخ السياسية وغير السياسية، خصوصاً مع وصول الأمور إلى عتبة لم تسمح بالمناورة من خارج السياق الذي أنتجته التطورات، حتى لو حاول البعض.. وتشدد البعض الآخر في التعويل على ما اصطلح بتسميتها الحوارات الجانبية.
في المقاربة المباشرة للجولة المجتزأة من جنيف، يصعب الحكم على مساراتها، نظراً لتبعثر المحاكاة الناتجة عن محددات تفصيلية توصل إلى حيث كان يفترض أن يأخذ دوره الوسيط الأممي، وخصوصاً أن ملامح المرحلة كانت تؤشر إلى مناخات إيجابية أفرزتها التطورات المتلاحقة، وأعطت في حصيلتها النهائية أنه من العبث الاستمرار في المكابرة، إلا ليتحول التعطيل هدفاً بحد ذاته، ويكون الدور الأممي متكأً يتعكز عليه الأميركي ومعه السعودي والإسرائيلي في أدوارهم المباشرة.
وجاءت التسريبات القادمة من تركيا لتتقاطع مع المنحى ذاته، في قراءة مشهد التعطيل الأميركي، وليبدو منسجماً مع الحالة الضبابية التي يمارسها النظام التركي في تلاعبه على حبال المواقف الدولية، متخذاً من الكذب والنفاق سبيلاً يُبقي سيل وعوده من دون توقف، حيث يحط رحالها في أقرب مبازرة يصل إليها.
هكذا يقفل جنيف عائداً في نصفه الأول، من دون أن يحقق ما كان يرتجى منه، وتقفل معه أحاديث السياسة المؤجلة بحكم الأمر الواقع.. وتتشابك في ظله خيبات كانت تنتظر من الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص بعد أن فشل في إحكام قبضتها على أوراقها، أن تخطو باتجاه تحقيق ما عجزت عنه الجولات السابقة، ليبدأ رحلة ماراتون التخفي والتذرع خلف أصابع الظروف وبعض من اجتزاءات النص، فغرقت في أول قطرة، وتحول السيل الجارف والضاغط على جنيف مجرد أوراق تذروها رياح التمنيات.
أمام جنيف طريق طويل، وكلما مر الزمن يطول الطريق أكثر مما ينبغي، ويزيد فيه الأداء الأممي تشابكاً بعد أن نفخ في قربة المعارضة المثقوبة، ليظل التصعيد الإرهابي والعربدة الإسرائيلية حلقة إضافية من حلقات الاستهداف للمنطقة، بانتظار مرحلة تستطيع فيها الأمم المتحدة أن تحدد إطاراً يصلح للمقاربة المتوازنة، وحتى ذلك الحين يبقى الميدان أساساً ومعياراً حتى إشعار آخر، وما حسم منه لابد أنه سيؤسس لما لم يحسم ولكل ما سيأتي بعده.
a.ka667@yahoo.com