ديب علي حسن – ثورة اون لاين:
على ما يبدو أن النزعة الحضارية والإنسانية التي غلفت وصبغت هذه البقعة من الأرض، أعني بها سورية، منذ كان الوجود الأول والعطاء، وكان الزرع والحرف والبيت والرحلة والتجارة، وقبس من نور، على ما يبدو أنها عقبة كبرى بوجه المضي قدماً نحو غاياتنا، أهدافنا، إذ إنها بصمة الحضارة،
تقف عائقاً دون المضي في تشكيل العقل والفكر النقدي، والشكاك الذي لا يترك شيئاً دون أن يخضعه للفحص والتمعن وقراءة الاحتمالات، وليس هذا بل إنه يمضي إلى مسح آثاره وآثامه مهما كانت، يقبل الجرح ويدفنه في صدره وعقله وقلبه، وحين تحين التفاتة ممن جرحنا، نبلسم بكلمات طيبة حال من جرحنا، بل نكاد نقول له: لا تؤخذنا، نحن كنا العقبة بدربك، ولم نسمح لك أن تجرحنا أكثر، تفضل ادخل دارنا، واشحذ سكينك، وعمق جرحك..
ربما يظن البعض أني أعنيها نقطة ضعف، لا.. بالحقيقة هنا جبروت النزعة الإنسانية، وارتقاء السوري إلى مصاف لا يصلها أحد غيره، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: أحقاً يجب أن نكون بهذه الحال دائماً، هل علينا أن نبقي جراحنا نازفة ونعرف من يوسعها..؟
أسئلة لا بد من طرحها لأننا على مفترق طرق، عدو غاشم غادرن منذ كان والشر هويته، وفعله وديدنه، لا يمكنه الخروج من إطار فعله هذا، كلما سنحت له الفرصة ينقض ومن جديد، حتى من بني الجلدة أنفسهم زاحموه على طباعه، وبالتحليل المنطقي والعلمي والاجتماعي يظهر أنه وإياه من طينة واحدة، اليوم نحتفي بذكرى حرب تشرين، النصر الذي كان نقطة انعطاف ليس في تاريخ المنطقة، بل العالم كله، تحولات كبرى حدثت، يقظة عربية كانت دماء السوريين ومن كان معهم نقطة الاتقاد، نصر أعطى كل شيء معنى جديداً أزال صدأ ما كان، وبدأت مرحلة جديدة، كان يجب على الجميع أن يؤسس عليها، لكن الذي حدث أن الأعراب كانوا قبل العدو يعملون على إجهاض النصر، ودحره، لم يكتفوا بذلك، بل أرادوا ذبح من صنعه من الوريد إلى الوريد.
يعرف السوريون أنهم صنعوا النصر بدمائهم، لكنهم تقاسموه مع من يسمون أشقاء، أهدوهم النصر، وكان ردها منهم طعناً مسموماً، مرة ومرات، أدركنا ذلك، وقلنا: لا بد أنها عابرة، غداً يستقيظ الضمير العربي، يعودون إلى رشدهم، لكن على ما يبدو كان الخنجر أكثر عمقاً مما رأينا من رأسه المسموم، انخرطوا بكل موبقة ومؤامرة تستهدف سورية، بل كانوا الذراع الذي طعن صدر الأم ولم يكتف بذلك بل.. مزقها أشلاء أشلاء.. وبزعمه أنها لن تعود.. عادت العنقاء من رماد أرادوه لها.. استنهضت المارد الذي لا يمكن إلا أن يكون سورياً..
في رحاب ذكرى حرب تشرين، نعرف أننا ندفع ثمن كل نصر حققناه، وأن الأعراب هم أكثر من غيرهم يريدون أن يجتثوه حتى لا يبقى مجال للمقارنة بين ما هم عليه من دنس وموبقات وكبائر، وبين شعب أراد لهم العزة والكرامة ولكنهم كما حال الضفدع، تخرجه من مستنقع آسن، تجلسه على طاولة من صفاء الذهب، لكنه يقفز عائداً إلى مستنقعه، في رحاب الذكرى، نعرف أننا جذر الحضارة والإنسانية وأن صدرنا رحب، لكن الأكثر ضرورة أن نعرفه أن الأفاعي تغير جلدها ولا تغير ما في أنيابها من سمّ.. لنحرس نصرنا، وليكن العقل الشكاك سيد الموقف، طُعِنا حتى لم يبق في الجسد السوري موضع لطعنة جديدة..