تنافس حضاري لا صراع حضارات

العلم والمعرفة والإبداع والاختراع والاستثمار في العقول هي عناوين المنافسة والسباق الحضاري ولا سيما في القرن الحادي والعشرين هكذا كانت وهكذا ستبقى الأمور فالمعرفة لمن ينتجها أولاً والقوة لمن يمتلكها في عصر التكنولوجيا والمعلومات واقتصاد المعرفة والشركات العابرة لكل الحدود وعالم محكوم بإدارات دولية هي من يقبض حقيقة على عجلة الاقتصاد والتطور والتنمية ولعل اللغة الوحيدة التي تتداول اليوم هي لغة الأرقام والتبادل التجاري والناتج القومي ونسب النمو وغيرها فلا حدود ولا جمارك ولا حمايه قادرة على ضبط حركة السلع ودورة رأس المال وإعادة إنتاجه وتدويره وهذا يتوقف على الكفاءة في إدارة المرفق الاقتصادي والنشاط العام والحكم الرشيد.
إن المدقق والمتابع لما يجري في عالم اليوم من تطورات يكتشف أن السباق الحضاري لا يقف عند حدود البحث عن الهوية أو السعي لاستنساخ الماضي بقدر ما هو رحلة إلى المستقبل من هنا تبرز مسألة محاولة إشغال بعض دول العالم وشعوبه خارج إطار العالم الرأسمالي في قضية الحفاظ على الهويات والتراث وجعلها أولوية في استراتيجياتها بحيث تشيح النظر عن قضاياها الأساسية المتمثلة بالتعليم والمعرفة والإنتاج والتقانة وتوطين مدخلات الحضارة وصولاً لمجتمعات قادرة على التعامل مع مفردات عصر ما بعد الحداثة ما يمكنها من الانتقال من دول ومجتمعات مستهلكة لمنتجات عصر الحداثة إلى شريكة في إنتاجها وتسويقها.
وإذا كان الحديث عن الهوية الثقافية هو أحد التحديات التي تواجه بعض المجتمعات في راهننا التاريخي فهذا لا يعني الانفصال عن عالم اليوم والغوص في الماضوية أو الاختباء بها بحجة الحفاظ على الهوية فالهوية هي بالنتيجة كائن حي يتطور ويتشكل وفق ديناميات المجتمع وتحولاته وهذا لا يعني الانسلاخ والذوبان في الآخر بقدر ما هو تجديد في الشكل مع الحفاظ على الروح والمضمون وثمة أمثلة عديدة على ذلك في تحارب شعوب حية سواء في جنوب شرق آسيا كاليابان والصين مثلاً وجنوب إفريقيا والبرازيل وغيرهما من شواهد حية عديدة تعج بها الذاكرة ناهيك عن أن العالم يعيش عصر التكتلات الكبرى من أوروبا الموحدة إلى أسيان إلى البركس وغيرها فلا مكان في دائرة المنافسة للكيانات الصغيرة في عصر العولمة بسياقاتها الاقتصادية والإعلامية.
إن امتلاك العقل المنتج هو الأساس في عملية التنمية فثقافة استهلاك ما ينتجه الغير لا تؤسس لنهضة وتنمية حقيقية ولا تعد من مؤشراتها مع التأكيد على أن الفكرة الاقتصادية الليبرالية تسعى لتكريس ثقافة الاستهلاك الفردي وأن الشخص الجيد هو المستهلك الجيد لأن في ذلك تعزيز لدورة الإنتاج وتدوير رأس المال وتحقيق المزيد من الأرباح والدخول أكثر في دائرة المنافسة والربح السريع ما يمكن الشركات الكبرى من ابتلاع مثيلاتها الأقل قدرة على المنافسة وهو ما واجهته العديد من المؤسسات والشركات في مطلع القرن الحادي والعشرين مع إرهاصات العولمة في سياقها الاقتصادي.
إن جوهر ما يشهده العالم هو منافسة اقتصادية وتقانية وعلمية ومعرفية لا يلغي أو ينفي حقيقة أن ثمة مواجهة وسباق حضاري ثقافي تفرزه طبيعة الأشياء فلكل منتج هوية وشهادة ولادية ينتسب إليها تنتقل وتتحرك عبر تسويقه واستهلاكه وهنا يبرز دور الإعلام وثقافة التسويق والإعلان أساسية في ذلك، ما يؤكد أهمية ودور رأس المال في ذلك ومدى حياديته وتحرره من فكرة يعمل ويجهد لتسويقها وعولمتها وهنا يبرز التحدي الأساسي في طرح السؤال المحوري ترى من هو القادر على المنافسة الحضارية وتوكيد الذات المبدعة هل هو العقل المنتج أم المستهلك والسلعي التابع والمتسول الحضاري.
د.خلف علي المفتاح
  khalaf.almuftah@gmail.com   
التاريخ: الأثنين 29-10-2018
رقم العدد : 16822

آخر الأخبار
تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري