الحراكُ في فرنسا الذي تقوده (السترات الصفراء) ويَحظى – حسب إحصائيات واستطلاعات – بتأييد أغلبية الفرنسيين، يبدو حراكاً اجتماعياً دافعُه الاحتجاج على السياسات الاقتصادية لحكومة الرئيس ايمانويل ماكرون (فرض ضرائب جديدة على الوقود والمحروقات، غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار)، أي أنه لم يجر مباشرة رفع شعارات سياسية بمعنى الرفض أو الاحتجاج على الأليزيه.
لكن، مُطالبة المُحتجين باستقالة ماكرون بعد مرور وقت قصير على بدء الاحتجاجات، تُعبر ربما عن سقف سياسي مُرتفع، بلوغه يُشير حسب كل التقديرات إلى أن مَفاعيل الاحتجاج الاجتماعي سيكون لها من الأبعاد السياسية ما يتجاوز كل الحسابات التي ربما حصرتها الحكومة الفرنسية بمسألة الإصلاحات والاعتراض عليها، وقد لا يتوقف عند حدود الاستجابة من عدمها للمطالب التي اتّسعت شعبيتها وتضاعفت في وقت قياسي.
أكبرُ ثلاث مدن فرنسية حتى الآن باتت شوارعها ساحات معركة حقيقية، وأكثر من خمسة مدن هولندية وصلت إليها العدوى الفرنسية، وربما فاجأت بروكسل التي قد لا تتوقف عند حدودها، فهل يُؤشر الحراك الاجتماعي الأوروبي بامتداده السريع إلا إلى أزمة سياسية أوروبية غربية تتصل بسياسات القارة العجوز التابعة لواشنطن والمُرتهنة لها؟.
إذا كانت لم تّظهر واضحة ملامح الأزمة الغربية في الشعارات الشعبية حتى الآن، فَسُرعان ما ستبدو قريباً، بل يُتوقع أن تَنطلق بقوّة على يد ولسان القوى والأحزاب المعارضة التي بانضمامها للاحتجاجات ستتعمق الأزمة وتتبلور مُرتسماتها في النظام الغربي عموماً، الذي يَشهد بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تَحولات كبرى وحالة تفكك وشيكة الوقوع، السياساتُ الأميركية ستُسرع بحدوثها، ليَنكشف هذا النظام المُؤتلف في الناتو أمنياً وعسكرياً، ولتَبدو هشاشته الاقتصادية، وليَظهر عجزه السياسي!.
إذا كانت المُجتمعات الأوروبية (المُتحضرة) قد قطعت فعلياً شوطاً طويلاً في الديمقراطية ومُمارستها، وتَمتّعت عملياً على مُستوى الحريّات بمساحة واسعة، وأَنجزت واقعياً خطوات علمية مُتقدمة في عالم الصناعة والتكنولوجيا، فإنّ من واجبها رفض انصياع سياسييها لواشنطن وسياساتها المُدمرة، هذا أحدُ الأبعاد السياسية للحراك المُجتمعي المُتوقع بروزه ومُلاحظة ثقل تداعياته.
وإذا كانت هذه المُجتمعات الأوروبية (الرأسمالية) مُؤمنة بنظامها المُتوحش، فإنّها ستَحميه، ستَرفض إلغاء كوب الحليب الصباحي الساخن، ولن تَقبل بتقليص وجباتها الثلاثة لاثنتين كي يَرضى الأميركي الذي يضغط لزيادة الإنفاق الأوروبي على موازنات الحروب التي يقودها، ويجبر أنظمة القارة العجوز على الالتحاق، واقتصادياتها على التمويل تحت يافطات الأمن والدفاع!.
في الحالتين يبدو خريف الغرب ساخناً، وبالتالي فإن حراكه الاجتماعي الذي بدأ ربما لن ينتهي بلا مفاعيل سياسية سيتضح مداها إن لجهة التغيير أم لجهة الانفجار المُدوي كنتيجة ستتشظى بسبب الاستخدام المُفرط للقوة بقمع الاحتجاجات!.
علي نصر الله
التاريخ: الأثنين 3-12-2018
رقم العدد : 16851