التاريخ الكامل للفلسفة الكلاسيكية

الملحق الثقافي:ن

كتاب الفلسفة الكلاسيكية لبيتر أدمسون هو الكتاب الأول من سلسلة كتب يسعى فيها المؤلف لعرض تاريخ كامل للفلسفة أكثر تفصيلاً وأكثر متعة من أي كتاب آخر. هو يعرض في 41 فصلاً نظرة مفصلة لظهور الفلسفة بدون فجوات منذ ما قبل سقراط مروراً بأسئلة سقراط في حوارات أفلاطون ورسائل أرسطو. الكتاب يناقش موضوعات أقل شيوعاً مثل مجموعة الأعمال الطبية للفيزيائي أبقراط والأكاديمية الأفلاطونية ودور المرأة في الفلسفة القديمة. هذا الغطاء الشامل سمح له بمعالجة النقاشات القديمة في جميع مجالات الفلسفة بما في ذلك الايبستيمولوجي والميتافيزيقا وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم والأخلاق والسياسة. الكاتب وهو بروفيسور في الفلسفة القديمة المتأخرة والفلسفة العربية بجامعة لوج ماكسمالين، يستخدم اتجاهاً حياً ومتميزاً في الموضوع. فمثلاً، عند الحديث عن فكرة أرسطو حول أخلاق السلوك Ethics، يقول ان أخلاق أرسطو هي أقرب إلى البطل الإغريقي آخيل منه إلى تيريزا الأم (الراهبة الهندية التي تبنّت مساعدة الفقراء) لأن الأول اكتسب احترامه الكبير من كونه فاضلاً.
مرحلة ما قبل سقراط The pre-socratics
الذين درسوا فلسفة ما قبل سقراط تعلّموا أن أول الفلاسفة الغربيين طاليس وأناكسماندر وأناكسميس كانوا “محققين في الطبيعة” يحاولون العثور على المبدأ الأساسي في الطبيعة. تاليس اعتقد أن الماء هو المادة الأساسية في الكون . رؤيته بأن “كل شيء مملوء بالآلهة” (وهو عنوان الفصل الأول لكتاب أدمسون) مرتبطة بفكرته عن الحصاة المتوهجة (amber) التي تمتلك روحاً لأنها تسبب الحركة عبر سحب الأشياء الصغيرة نحوها.
يذكر الكاتب “أن بعض منْ اُطلق عليهم بـ ما قبل سقراط، هم في الواقع عاشوا في نفس فترة سقراط”. “لهذا السبب وبما أنه من السخف تسمية هؤلاء المفكرين بما يشير للمستقبل، فهو أطلق على هذا القسم من الكتاب “الفلسفة اليونانية المبكرة”. يذكّرنا الكاتب: “ان معرفتنا بجميع هؤلاء الفلاسفة لا ترتكز إلاّ على بقايا من المعلومات المربكة والمشوشة”(1).
فيثاغورس
يحاول المؤلف تبيان الاحترام الكبير الذي حظي به فيثاغورس (570-495 قبل الميلاد) في النقاشات المستمرة لعمل الفيلسوف الأفلاطوني الجديد لامبلكس Lamblichus (245-325 بعد الميلاد) حول طريقة فيثاغورس في الحياة. يكتب لامبلكس أن هناك ثلاثة أنواع من الكائنات ذات الساقين: الطيور والإنسان وفيثاغورس. قيل إن فيثاغورس كان لديه ساق ذهبي عرضهُ في الأولمبيك، قيل إنه كان يستطيع التنبؤ بالزلازل. اعتقد لامبلكس أيضاً أن فيثاغورس يستطيع التحدث مع الحيوانات وتوجيهها. كل من أرسطو ولامبلكس أشارا كيف أن فيثاغورس تلقّى مرة الترحيب من أحد الأنهار. يصف المؤلف رؤية فيثاغورس بأن الروح يمكنها مغادرة البدن لتعيش في جسم آخر. وهنا يتحدث أكسينوفانس عن قصة فيثاغورس عندما رأى كلباً يئن من الأذى صرخ “توقفوا، ذلك صديقي، أنا أعرف صوته”.
هذه القصة تحمل مضامين هامة، حيث يشير المؤلف إلى أن فيثاغورس يرى بأن الروح والجسد هما شيئان مختلفان حيث الأولى لا تتحطم بينما الثاني يتحطم. وهي النظرية الفلسفية ذات الارتباط المباشر بالثنائية dualism. ثنائية فيثاغورس هي السابقة الفلسفية لثنائية أفلاطون ومن ثم ديكارت. لذا فإن أحد أسباب الارتباط القوي بين الأفلاطونية والفيثاغورية هو أن كلاً من أفلاطون وأتباع فيثاغورس كانوا مهتمين بالأشياء الثابتة وغير المادية. هم أرادوا الابتعاد عن اضطراب الأشياء المادية المتغيرة باستمرار والعرضة إلى عدد لامتناه من مختلف الخصائص. لذا فإن اهتمام فيثاغورس بالرياضيات وبالوجودات المجردة وغير المادية يرتبط برؤيته عن الروح.
بارمينديس
من مدينة إيليا، عُرف أتباع بارميندس (515-460) قبل الميلاد بـ “الإيليين”. الكاتب يذكّرنا أن أفلاطون في حواراته جسّد رؤية بارميندس. عرض بارميندس تفصيلاً رائعاً لفلسفته من خلال قصيدة من الشعر سميت (حول الطبيعة) تتألف من جزأين: طريقة الحقيقة وطريقة الظهور. في طريقة الحقيقة يوضح أن الوجود واحد ولا يتغير وبلا زمن، الوجود لم يأت إلى الوجود ولم يُفن، لا ماض له ولا مستقبل، جرى احتواؤه بالكامل ضمن الحاضر، الماضي والمستقبل لا معنى لهما. يرى بارميندس أن هناك طريقتين للتحقيق وهما ما هو موجود من جهة وما هو غير موجود من جهة أخرى. الأخير حسب زعمه لا يمكن إدراكه لأنه لا وجود لشيء لا يمكن أن يكون، باعتبار أن هذا يستلزم التفكير والحديث عن “ما ليس” أو “ما لا يمكن” وهذا غير ممكن. أما في طريقة الظهور يرى أن ظاهرة الحركة والتغيير هي مجرد مظهر للحقيقة اللامتغيرة والخالدة، وأن ما نتصوره يومياً عن حقيقة العالم المادي هو خاطئ ومضلل.
أخلاق أرسطو
يتحدث الكاتب عن رؤية أرسطو (384-322) بأن السياسة مرتبطة صميمياً بالأخلاق: السياسة في تعاملها مع رفاهية كل الجماعة تعتمد على الأخلاق التي تتعامل مع رفاهية الفرد. هذا يثير تساؤلاً مألوفاً: ما الذي يشكل السعادة أو الرفاهية؟ العديد من الناس يخلطون بين المتعة والسعادة، ولكن كما يرى أرسطو أن السعادة لا يمكن تشخيصها بالمتعة لأن السعادة ليست وسيلة لغاية، مثلما هي المتعة. يقول المؤلف إن المتعة المشتقة من الفوز باليانصيب، هي ثمينة، ولكنها فقط كوسيلة للسعادة. السعادة بدلاً من ذلك، هي غاية في ذاتها، شيء ما ثمين لأجل ذاته. الفعاليات الممتعة والهادئة المفتقرة للنهائية والاكتفاء الذاتي مثل لعبة السوليتير، لا يمكن خلطها مع السعادة.
كذلك لا يمكن مساواة السعادة مع الشهرة أو حياة الشرف. كما يقول الكاتب، فكرة اليونان عن الشرف تميل نحو النجاح السياسي والانتصار العسكري واستمرار السمعة. في الحقيقة، كما هو يقول، إن تلميذ أرسطو الاسكندر الكبير سيُعتبر “أسعد إنسان في العالم القديم، لو أن السعادة والشرف هما ذات الشيء”. لكن أرسطو يضع الشرف إلى جانب الثروة كهدف مضلل لأن شرفاً كهذا ليس جيداً بما يكفي – “نحن نهتم بسبب اكتسابنا التكريم”. مرة أخرى تتجسد الروح الإبداعية للكاتب، عندما يكتب بأنه “ليس دليلاً تمتعي بحياة جيدة، لو أن عصابة من السراق المجرمين يُعجبون بي لنجاحي في السرقة”. هتلر وبن لادن نالوا التكريم من جانب معظم الأتباع، لكننا من الصعب علينا الجدال في خيرية أي منهما. كما أننا سوف لا نرغب بالتمجيد الزائف لنا على أشياء لم نقم بها حقاً، كما يذكر المؤلف .
يستنتج المؤلف على نفس الخط مع أرسطو “لو كنت أبحث عن الشرف فإن ما يجب أن أبحث عنه حقاً هو نوع من الحياة التي تستحق التمجيد”. في تلك الحالة، فإن الشرف يبدو ثانوياً. ما أهتم به حقاً هو الحياة الجيدة التي تنال بحق إعجاب الآخرين. ما نهتم به إذاً هو حياة الفضيلة. ولكن ما هي الفضيلة وكيف يمكن تحقيقها؟ الكاتب يستخدم فكرة أرسطو عن الوظيفة أو الايرغون: “هدفي كفرد أخلاقي هو أن أقوم بما قصدت القيام به، وأن أقوم به بشكل جيد”. هو عندئذ يذكّرنا بأن أرسطو يقيم مقارنة مع السعي النشط لتجسيد هذه الفكرة: “في الأولمبيك هم يمنحون الجوائز لمن ينافس ويربح، وليس فقط لذوي اللياقة والجمال. هذا يجعل الفضيلة تستحق الاهتمام، الفضيلة تجعلنا أناساً بأفضل ما يمكن”.
إن كلمة “أخلاق سلوكية” ethics تتعلق في السؤال الثاني. الكلمة اليونانية “إيثوس” تعني “العادة”. وهكذا نحن يجب أن نبدأ بتطوير الفضائل حينما نكون أطفالاً. في اللغة الأرسطية، الرجل الفضيل يتمتع ويختار الوسط بين حدّي القضية، بينما الإنسان الشرير يتمتع بالأشياء الخاطئة لأنه غُرست فيه عادات سلوك الخيارات الخاطئة. يذكّرنا المؤلف بالقول المألوف لأرسطو: الفرق بين الرجل الفاضل الممتاز والرجل الشرير المعيب هو نتاج التدريب.
المؤلف يتبع هذا العمل بكتاب آخر أكثر شمولاً يتألف من 53 فصلاً. الفلسفة في العالم الهيلنستي والروماني، يبدأ بـ فلسفة الكلبيين ويمتد إلى أوغستين وبوثيوس.
………………………………………………………………………..
كتاب الفلسفة الكلاسيكية: تاريخ الفلسفة بدون فجوات للكاتب بيتر أدمسون، صدر عن مطبوعات جامعة أكسفورد عام 2014 في 338 صفحة.
الهوامش
(1) يرى المؤلف أن الناس الذين يعملون في هذا الحقل يسمون هذه المعلومات بالشظايا أو الأجزاء. ولكن حتى هذه تجعل الموقف أفضل مما هو عليه حقاً. ما لدينا في الواقع هو أعمال لمؤلفين من القدماء المتأخرين أو نسخ لنسخ من أعمال القدماء المتأخرين الذين يحكون لنا شيئاً عن تاليس أو هيرقليدس. ما لدينا هو مفكرون لاحقون يقصّون علينا ما اعتقده المفكرون القدماء، وكان علينا أن نقرر لأنفسنا ما مدى قرب هذه المعلومات من الكلام أو الفكرة القديمة. وحتى لو كنت محظوظاً بما يكفي في حصولك على قطعة أصيلة، يبقى من غير الواضح أين تبدأ المعلومات المفيدة وأين تنتهي. أحد أهم المصادر عن ما قبل سقراط هو أرسطو، الذي كانت لديه ميول لمزج التقارير عن معتقدات أولئك الفلاسفة مع تخمينات تعلّموها حول أشياء أخرى يجب الاعتقاد بها، كذلك هو دائماً يسعى لدمج مفكري ما قبل سقراط في إطار نظرياته.

التاريخ: الثلاثاء 8-1-2019
رقم العدد : 16879

 

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق