السباقات تتوالى، والتنافس في السبق العلمي يتعالى ضجيجه، والرغبة المحمومة في الوصول إلى ترياق الشفاء تتسارع وتيرتها، ومعاهد البحوث الطبية لا تدخر جهداً في أبحاثها، كما المخابر العلمية التي تعمل مُطلقة كامل طاقتها دون كلل أو ملل، وهي تجري مراحل تجاربها السريرية على حيوانات المختبر، وعلى البشر، لعل أحدها يكون هو الفائز الأول، والمخلص الأمثل للبشرية من بلاء الوباء الذي استجد على قائمة الأوبئة، وفتك بها دون هوادة، ولا رحمة.
صحيح أن تعاوناً عالمياً قام حين بدأت أزمة انتشار الوباء بين الدول متمثلة بمراكز أبحاثها، ومخابرها التي تبحث عن الدواء، والترياق لكن حلولاً منفردة باتت تظهر على الساحة بعيداً عن المسار التعاوني الجماعي، ولو أن الهدف هو واحد، والعدو الذي يترصدون لاصطياده هو واحد.. فالجهود التي تفرقت في مساراتها، وسباقاتها نحو العثور على الدواء لأسباب سياسية، واقتصادية، وربما تجارية أيضاً قد استدعت بدورها منظمة الصحة العالمية لتطلق نداءها بضرورة توحيد تلك الجهود بعد أن فرقتها غايات شتى، وتدعو في الوقت ذاته إلى الانضمام إلى برنامج عالمي مشترك لا هدف منه سوى العثور على اللقاح، والدواء، وضمان حصول الجميع عليه من أجل الوصول إلى التعافي الشامل من هذا الوباء المستجد في شراسته، والقادر على أن يهدم آمالاً وأحلاماً إذا ما طال تواجده.. إذ إن الحلول المنفردة قد تصبح غير فاعلة بالقدر الكافي للتعافي الجماعي، وما يتبع ذلك من إصلاح اقتصادي بعد انهيارات كبرى، وأزمات ليست بالصغرى. والنداء يتردد بين عباراته طلباً مبطناً للتوقف عن المنافسات الحادة، وهي على أي حال تقليدية بين شركات الأدوية في الأسواق العالمية.
أما حقوق الملكية الفكرية للعلاج الشافي فستظل متاحة حتى تتم السيطرة على الوباء لتنحصر فيما بعد بالجهة صاحبتها.. لكن يبقى السؤال مستقبلاً عن أخلاقيات هذا الدواء متمثلة بالشركات المنتجة له، وهل سيكون بينها السباق بالشكل العادل، والأخلاقي؟ أم إنه سباق الأرباح، والمصالح التجارية الاقتصادية مع ما يطفو على السطح من لغط حولها؟.
والسؤال هنا يتلوه سؤال بعد آخر: ما مصير الدول الأكثر فقراً، وما حظها في الحصول على حصتها من ترياق الشفاء الذي ترتفع تكاليف إنتاجه؟ بل كيف تُفسَر التصريحات المتضاربة حول جدوى الحصول على دواء، أو لقاح للوباء، ومدى فعالية كل منهما من حيث كونه مجدياً، وآمناً بآنٍ معاً؟ وما المدة الزمنية الحقيقية التي سيُعلن خلالها عن اعتماده ليدخل قيد التطبيق، والاستخدام ما دامت المواقيت تتباين، وتختلف؟ وهل هناك من استثناءات لدول دون غيرها في سرعة الحصول على المنتج، أم إن التوزيع العادل سيكون متزامناً بين كل الدول بعيداً عن التعصب القومي؟ وماذا لو أنه سباق الجشع، وليس سباق الإنقاذ في مسار هو أقرب إلى المتاجرة بالصحة البشرية قبل أن يكون إنقاذاً لها؟.
يقولون إن قارة أفريقيا هي الأنسب لتجربة الاختبار.. فما بال إذاً باقي قارات العالم وأولها أميركا وأوروبا، ألا تصلح لذلك؟.. وهل النجاح يعتمد على اللون، أو العرق البشري؟.. أم إن العنصرية تبرز من جديد ولكن هذه المرة بشكلها العلمي، وكأن الوباء لا يصيب جميع الأعراق، والألوان بالدرجة نفسها، أو إن شعوباً دون غيرها تصلح للتجربة كفئران اختبار دون سواها؟ أم إنه (وباء) الاستعلاء عندما تُطلق تلك المقترحات بعد أن يتجه التفكير إلى إجراء التجارب على بعض البشر قبل غيرهم لاختبار الفعالية؟ أو إنه وباء الجشع والاحتكار؟
أسئلة كثيرة ستظل مطروحة حتى تجيب عنها المرحلة القادمة التي ستحسم رحلة الوباء بعد أن كلف العالم ما لا يطاق من الأعباء.
أما النداءات، والصرخات الداعية إلى الحلول الجماعية التي تشفي، وتداوي جراح الروح والجسد، وتقرر المصائر فسوف تبقى رهينة الضمائر.
(إضاءات) ـ لينــــــا كيـــــــلاني