الملاحظ اليوم كثرة الحديث العربي بشأن عودة سورية إلى ما يسمى الجامعة العربية، ومن دون شك فإن هذا الحديث تمليه الضرورة الحتمية، نظراً لمكانة سورية ودورها المهم في المنطقة، ونحن نرى فيه أنه نابع من رغبة العرب في العودة إلى سورية بعد أن كانوا قد عزلوا أنفسهم عنها وعن دورها المحوري، وعودتها فيها مصلحة عربية في المقام الأول، وربما تكون غالبية الدول العربية قد أدركت أخيراً أن قرار تعليق عضوية سورية غير القانوني والشرعي في (الجامعة) كان خطأً كارثياً أصاب العمل العربي المشترك في المقتل.
المؤسف أن اتخاذ قرار عربي جامع في هذا الشأن، مرهون بقرار أميركي، وقد أكد وزير الخارجية الإماراتي أن التحدي الأكبر الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك مع سورية اليوم هو (قانون قيصر)، وبحال لم يلغ هذا (القانون)، فإن مسار عودة التعاون المشترك سيواجه الكثير من الصعاب، وهنا يؤخذ على (الجامعة) استمرار خضوعها للأهواء الأميركية، وهي تحتاج للعودة إلى ذاتها أولاً، من خلال الالتزام بميثاقها، والهدف الذي أنشئت من أجله، أما بالنسبة لسورية فهي لم تتخل يوماً عن انتمائها العروبي، أو دعمها للقضايا العربية رغم شراسة الحرب الإرهابية التي وفرت لها هذه الجامعة الغطاء، وأدى دورها السلبي من خلال الانصياع إلى السياسة الأميركية إلى إحداث الأثر الأكبر مما يعانيه الشعب السوري جراء هذه الحرب، والتعويل على هذه (الجامعة) في ظل الظروف التي تمر بها اليوم، تشوبه الكثير من الشكوك لدى الشعب السوري.
عودة سورية من عدمها إلى (الجامعة) لا تشغل بال السوريين على الإطلاق، صحيح أن بعض الدول العربية اتخذت منذ بداية الحرب الإرهابية موقفاً موضوعياً تجاه ما يحدث، وبعضها كان موقفها حيادياً، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الدول الأخرى حولت (الجامعة) إلى منصة لتسويق الأجندة الأميركية والغربية، ودفعتها لاستصدار الكثير من القرارات العدائية التي تخالف مبادئ وأهداف هذه (الجامعة)، والأدهى أن تلك القرارات كانت بمثابة عقاب لسورية لمحاربتها الإرهاب المصدر إليها من كل أصقاع الأرض، وبدل الوقوف إلى جانبها بحربها ضد هذا الإرهاب الذي يهدد بتمدده وانتشاره كل البلدان العربية، اختارت الوقوف إلى جانب السياسة الأميركية والغربية التي تستثمر هذا الإرهاب لخدمة مصالحها ومشاريعها الاستعمارية في المنطقة.
الحديث العربي حول الرغبة في العودة إلى سورية، باتت تمليه اليوم حالة الواقع العربي المتهالك نتيجة التدخلات الأميركية والغربية، وخطورة المخططات والمشاريع الاستعمارية التي تستهدف الوجود العربي، وهو يأتي في ظل اقتراب سورية من إنجاز نصرها الكامل على الإرهاب، وتثبيت المعادلات التي فرضها الجيش العربي السوري، والتي تبنى عليها تحالفات دولية استراتيجية، وسورية لم يثنها قرار تعليق عضويتها في الجامعة عن مواصلة نهجها المقاوم لكل المخططات الأميركية والغربية، وأفشلتها، ولم يؤثر أيضاً على موقعها ودورها السياسي الفاعل في الدفاع عن القضايا العربية، وباعتبارها أحد أبرز المؤسسين لهذه (الجامعة)، فلن يكون لتلك (الجامعة) أي قيمة أو وزن من دون سورية.
البقعة الساخنة – ناصر منذر