لا تزال أحاديث الأهل والإخوة ذات وقع خاص..
كل منهم يستعذب تلك الصور التي تجول في أفق مخيلته، محاولاً التقاط كلمات مناسبة لما شاهده.. ولتلك الذكريات التي مازالت طازجة، لا تمّحي مهما مرت عليها السنون.
بساطة الفرح الذي ألمحه بعيون إخوتي الكبار وهم يذكرون كيف كانوا يصعدون الأسطح لمراقبة سقوط طائرات العدو، تدفع شعوراً بالغيرة يتقدّم كل مشاعري الأخرى..
ومع ذلك ينجحون بجعلي أشاركهم الحماسة والفخر بنصر كُتب في ذلك اليوم، السادس من تشرين.. اليوم الذي غيّر مسار التوازن وقوانين اللعبة السياسية في منطقتنا.
لا أملك براعة الحديث عمّا لم أحيَه واقعاً، لكن دفقات من السعادة تلامس قلبي كلما استمعت لذكريات كبار العمر الذين شاركوا وعاصروا انتصار تشرين.
الشيء اللطيف أن نوعاً من احتفالية جميلة استعادها أصدقاء الموقع الأزرق لإحياء ذكرى حرب كانت علامة فارقة في تاريخ العرب الحديث..
وتتمايل كلماتهم.. كل منهم يضيف إلى الذكرى عمراً جديداً عبر إحيائها ومداعبة ما كان يوم فخر قلّ نظيره..
ودائماً تُستعاد كلمات الشاعر نزار قباني متحدثاً عن مشاعره تجاه حرب تشرين، يقول: ” قبل السادس من أكتوبر عام 1973… كانت علامتي الفارقة المسجلة في جواز سفري، هي أني أحمل على جبيني ندبة عميقة اسمها يونيو/حزيران، أما عمري في جواز سفري القديم، فقد كان مشطوباً، لأن العالم كان يعتبرني بلا عمر. واليوم السادس من أكتوبر عام 1973 يبدأ عمري.. واليوم فقط ذهبت إلى مديرية الأحوال المدنية وأعطيتهم صك ولادتي التي حدثت في مستشفى عسكري نقال يتحرك مع المقاتلين في سيناء والجولان، اعتبروني طفلاً شرعياً وسجلوني في دفتر المواليد الوطني.
لا تستغربوا كلامي فأنا وُلدت تحت الطوافات والجسور العائمة التي علقها مهندسو الجيش المصري على كتف الضفة الشرقية.. وخرجت من أسنان المجنزرات السورية التي كانت تقرقش الصخور في مرتفعات الجولان.. أعترف لكم بأن ولادتي كانت صعبة”.
رؤية- لميس علي