الثورة – هفاف ميهوب:
“لم يسبق لإرهابي أن نفّذ عملية دون هدف، حتى لو كان الهدف شنيعاً.. الانتقال إلى الفعل لايكون دون ذريعة.. يحتاج الإرهابي إلى هذا التبرير الخادع، وبالأخصّ إذا كان انتحارياً”..
كلماتٌ قالتها الكاتبة والأديبة البلجيكية “إميلي نوتومب” في “رحلة الشتاء”.. الرواية التي استمدّت مضمونها من مقطوعة موسيقية لـ “شوبرت”، وفيها تحكي عن رحلة شتوية بدأت بحبٍّ، لم يتمكّن بطله من تحقيق ما تصبو إليه نفسه، ذلك أن الفتاة التي وقع في حبها، لم تبادله هذا الحبّ إلا بالاتزان والتعقّل والبرود، الأمر الذي سبّب له صدمة ولّدت لديه حقد وعدوانيّة شديدين، جعلاه يفكّر بالانتقام من العالم كلّه، وذلك بالسعي للتدرّب على قيادة الطائرات، للقيام بمهمة انتحاريّة الغريب فيها، قيامه قبل تنفيذها بكتابة مذكراته..
الغريب هنا، ليس فقط قيام هذا الإرهابي بكتابة مذكراته، ومنذ طفولته وما تلاها من انكسارات، وصولاً إلى اللحظة التي قرّر فيها تنفيذ مهمته، بل قيامه بكتابة هذه المذكرات في قاعة الانتظار بالمطار، وقبل ساعات من إقلاع الطائرة التي صمّم على اختطافها للقيام بعمليته.
ربما يقول قارئ عادي، بأن ظروف هذا الشخص والانتكاسات التي أصيب بها، قد تكون سبباً في إقدامه على ما فكّر به وخطط له، لكن القارئ المتمرّس والمتعمّق، لا بدّ أن يدرك بأن السبب الأكبر الذي دفع هذا الإرهابي للبدءِ بتنفيذ مخططه، وفي الوقت الذي بدأت فيه الفتاة تبادله الحب والانجذاب، رغبته بالتفوّق الذي لم يجد سبيلاً إليه إلا بتفكيره المدمّر.. التفكير الذي وإن كان من الصعب على أيّ راكبٍ من ركاب الطائرة التي اختطفها، أن يشهد على تفاصيل ما يخطط له، إلا أن ذلك ليس صعباً على الأدب الذي جعلنا نقرأ هذه التفاصيل في مذكراته:
“منذ الحادي عشر من أيلول، لم يعد أحد يشكّ بالعثور على أفضل وسيلة تدمّر الإنسانية تدميراً فعالاً.. هل من الضروري أن يسافر جواً عدد كبير من الناس يومياً؟!.. ألسنا بذلك نستفزّ الجنون الذي يفور في داخلنا؟!.. كيف لانحلم باختطاف تلك الطائرات التي تهزأ بنا فوق رؤوسنا، لتوجهها نحو صروح يغمرنا تدميرها فرحاً؟!!..”..
حتماً هي دلالة مقصودة، ومن الكاتبة التي حمّلت روايتها الكثير من القراءات النفسية، وكان هدفها تبيان مقدار بشاعة العقول والنفوس، التي توجّه كلّ أحقادها وشرورها لقتل الحبّ والجمال والحياة والحضارة والإنسانية..