في كل عام يأتي رمضان وقد سبقته الاستعدادات لاستقباله من زينات، وأضواء، ولوازم، واحتياجات خاصة به.. ليس هذا فحسب ما يسبق قدوم شهر رمضان بل إنها أيضاً الدعوات للتراحم بين الناس وهي تعلو في أصواتها ليعطف الغني على الفقير، وأن الحسنات تتضاعف في مثل هذه الأوقات المباركة، ولو أن الإحسان مطلوب على الدوام، ولا تقيده المواقيت.
وكذلك هو الاستعداد على مستوى الدراما التلفزيونية التي تنشغل على مدار عام كامل بتهيئة ما ستعرضه القنوات من أعمال جديدة خصصتها لهذا الشهر الذي تستعر فيه المنافسة في استقطاب جماهير المتابعين، وانتزاع تعليقات الإعجاب، كما الآراء النقدية التي تفرز، وتقرر ما الذي كان هو الأفضل.
وها قد أصبحنا نعيش في عالم جديد يعج بالتناقضات من حروب، وأهوال يقترفها البشر بحق بعضهم بعضاً تقف على النقيض من الدعوة إلى التآخي، والعطف، والرحمة التي من حقها أن تسري في العلاقات الإنسانية لتزدهر الحياة على الأرض، وتسير في مسارها الصحيح.. فما الذي سيجده رمضان هذا العام وهو يأتي في طريقه إلينا.. هل سنفاجئه بقناديل الفرحة المضاءة بقدومه.. أم أننا سنشكو له من أحوالنا بعد أن تلوث الهواء بالأوبئة، واستعرت الأجواء بالحروب، وضربت أمواج الغلاء كل المدن كما أمواج المدّ العالية وكأنها التسونامي الذي اكتسح العالم.. أم سنرجوه أن يبث فينا الأمل الذي يتجدد كل صباح فالغيمة السوداء لا تستطيع أن تمكث طويلاً في الأجواء؟.
وإذ أعود إلى جدول المسلسلات الرمضانية في سباقها أجدها تكتظ بالعناوين المثيرة التي تشير إلى مضامين متنوعة في موضوعاتها، ولو كنت ممن لا يحبذون كثيراً المتابعة التلفزيونية على حساب ما يفرضه هذا الشهر من اهتمامات أكثر جدية، إلا أنني أقف عن سؤال قد يتكرر في كل عام أن: ماذا ستقدم لنا هذه الدراما السخية من أعمال جديدة تمس بشكل حقيقي الواقع الذي نعيشه قبل أن تحلق في الخيال؟
العناوين توحي بأن الأعمال الدرامية التلفزيونية التي ستكون قيد المشاهدة لهذا الموسم تتنوع بين الكوميديا، والدراما الاجتماعية، والأخرى القومية، كما الجريمة والإثارة.. عناوين تكشف عن المضامين، ولو بقدر قليل، وقد يكون لبعض البلدان العربية الحصة الأكبر من إنتاجها على حساب غيرها، ومنها ما قد يكون متشابهاً مع مثيل له، ومنها ما هو استكمال لأجزاء سبقت في رمضانات مضت، إلا أنها عموماً تنضفر في جديلة واحدة كدراما تلفزيونية تبثها القنوات العربية.. ولكن إذا كان الإخراج بما تخدمه به التقنيات الحديثة من أساليب، وأدوات قد تطور بما يكفي ليكون على درجة من الجودة تتحسن عاماً إثر عام، بينما تدخل إلى مجاله أسماء جديدة باستمرار تملك قدراً كبيراً من الحماسة التي تدفعها إلى التجديد والابتكار، فهل تطورت المضامين أيضاً بما يوازي العملية الإخراجية؟ هذا ما تثبته الحركة الدرامية فيما تقدمه، وتعبر عنه، ويصدر النقاد آراءهم حوله سلباً وإيجاباً، بل لعل هذا بدا واضحاً أكثر ما يبدو في دراما الإثارة والحركة، والكوميديا كما الاستعراض، والرعب.
صحيح أن مضامين الفن عموماً تتغير وتتبدل حسب متغيرات عصرها، وما يطرأ على مجتمعاتها، وهي ولو خرجت عن نسقها إلا أنها تظل مرآة تعكس أحداثاً، وتصل خيوطاً بين ما كان وسيكون.. ولعل الدراما هذا العام لا تكون موضوعاتها منفصلة عن الواقع الذي أصبح الناس يعيشونه بقتامة، وهي تتناول موضوعات الساعة التي توزعت على كل جوانب الحياة، ولا تستثنى منها أزمات المناخ وما يتبعها من فقر، وقحط، وجوع، والأزمات الاقتصادية وما تسبب بها من أحداث كارثية حلت بالعالم أجمع، وكذلك مشكلات الهجرة، وواقع العمل، والتعليم. وما تخلقه عوالم الرقمية من فجوات في البنية الاجتماعية، وغيرها كثير من الموضوعات مما تجدر الالتفاتة إليه، ومما يجعلنا نكسر طوق الحلقة الذي ظلت الدراما تدور في فلكها لعقود.
ورمضان هذا الذي نحتفي به كل هذا الاحتفاء وهو يتجلى برمزه الديني، وقيمه الرفيعة التي يبثها من حولنا، وأجوائه الروحانية التي يشيعها في أيامه، ولياليه، ألا يحق له أن يسأل: أين حصتي في أعمالكم الدرامية؟.
(إضاءات) ـ لينـــــا كيــــــلاني
* * *