المدرّس.. نقل الفن السوري إلى العالمية

الملحق الثقافي: سلام الفاضل:

من لم يعرف فاتح المدّرس، ولو بالقراءة والمتابعة، فإنه لم يعرف الإنسان الحقيقي في جوهره السامي والمتسامي، فهو الذي فتح باباً للقصّ والشعر، وهو الذي فتح الفضاءات الكبرى والعالمية للوحة التشكيلية السورية، فوضع المعايير والتقنيات والقياسات والألوان النابعة من الأرض السورية، وضعها في قلب المشهد التشكيلي العالمي، ويظن كثيرون من أن أهميته تنبع من هذا الجانب، وهذا صحيح، لكنه في الحقيقة تصدّر المشهد بصدقه وانتمائه إلى فكره وكل ما في أرضه.
ولد فاتح المدرّس في مدينة حلب عام 1922، وتوفي فيها عام 1999، وتصادف في هذه الآونة الذكرى المئوية الأولى لولادته، ونظراً للدور الكبير والبارز الذي لعبه فاتح مدرّس في المحترف التشكيلي السوري، وتصدّره المشهد الثقافي السوري في فنون إبداعية عدة، كان لزاماً الاحتفاء بذكرى مئوية ولادته الأولى، لأنها تشي بولادة مبدع متميز، خلّف إرثاً فنياً سارت على نهجه أجيال من الفنانين، وستظل، كما أنها تؤكد ألمعية اسم هذا الفنان الذي حرص على نحته في جبهة الحياة بحروف من ألق. وللحديث أكثر عن فاتح مدرّس فناناً تشكيلياً وضع الفن السوري على قائمة العالمية تحرّينا رأي عدد من النقّاد والفنانين التشكيليين الذين أبحروا في حديثهم عنه فناناً، وأستاذاً، ومثقفاً ذا بصمة خاصة.
سعد القاسم: الفن التشكيلي تراث الوطن
تناول بداية الفنان والناقد التشكيلي الأستاذ سعد القاسم محطات من حياة فاتح المدرّس، عارضاً بعض الشخصيات التي قابلها، والبلدان التي قصدها، بغية إقامة المعارض، أو الدراسة، إذ أوضح: «أن فاتح مدرّس شارك في عام 1952 في معرضين، أحدهما في الولايات المتحدة الأميركية، والثاني في السويد. ليسافر بعد ذلك بعامين إلى إيطاليا حيث درس مدة ست سنوات في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، وتعرّف خلال هذه الفترة على (جان بول سارتر) الذي قام بترجمة بعض من أشعاره، واقتناء عدد من لوحاته، لينتقل في عام 1969 للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في باريس، ويقيم لاحقاً كثيراً من المعارض في أوروبا – وألمانيا خاصة – وكان يقول حينها إنه ذهب إلى أوروبا بعقل مشبع بالصور».
ورأى القاسم أن جواب المعلم فاتح مدرّس في لقاء أجراه معه في مجلة (التشكيلي السوري) مطلع الشهر الرابع عام 1994، هو أفضل تلخيص لمفهوم وضعه اللوحة السورية على قائمة العالمية، إذ قال فاتح حينها: «إني من المؤمنين بأن الفن الجميل – الفن التشكيلي هو من تراث الوطن، ومن شجيراته النادرة، ويحمل خصوصية التراب والإنسان في هذا الوطن. ومن هذا المنطلق الإنساني الجمالي ترى أن هنالك في العالم فناً وطنياً عالمياً لدى كثير من الشعوب الجادة في بناء الحضارة، هذا كان هدفي وأنا أعمل، إن كان في أوروبا، أو هنا في الشرق العربي.. أنا أمين لجماليات وطني، وعندما عرضت في نيسان الماضي في واشنطن رأيت في عيون الزوار أنهم ينظرون بدهشة إلى أعمال جاءت من الشرق البعيد من سورية تتحدث بلغة لا يفهمونها إلا بحسرة وصمت من خسر روحه.. الحياة في خضم العالم الأميركي فقدت روحها.. نعم نحن شعوب نامية لكننا نمتطي خيول الإلهام، هذا الإلهام ليس تماماً من السماء، بل سماء أخرى هي قبة الروح الإنسانية، فيها تطير رؤى الرحمة التي افتقدتها أميركا الشمالية…». أما الفنان التشكيلي عصام درويش الذي كان أحد طلاب فاتح مدرّس في كلية الفنون الجميلة فقد تحدث بداية عن فاتح أستاذاً حرص على ألا يعلّم طلابه كيفية الرسم، بل كيفية الرؤية، وكان هذا – برأيه – أفضل ما قدمه لهم، ليبيّن أن: «إيمانه بشخصية طلابه الفنية جعلت منه صديقاً لهم، وهو ما أسهم في جعل شخصياتهم أكثر قوة على الصعيد العملي». وتابع درويش متناولاً مرسم فاتح المدرّس، وما يحمله هذا المكان من خصوصية مميزة تعود إلى اختزان جدرانه وتشبّعها بذكريات وأحاديث ثرّة، إذ قال: «وقد شكّل مرسم فاتح مدرس في ساحة النجمة في دمشق مكاناً رائعاً، ليس فقط لما يحمله من ذكريات أعمال فاتح، بل لما أعطى وجوده من زخم للحياة الثقافية في زمنه، إذ إنه شهد على لقاءات وحواريات عدة بين شخصيات مهمة، سورية وعربية وأجنبية، وهي لقاءات ساهمت في نهضة الثقافة السورية عموماً، والفن التشكيلي على وجه الخصوص». ليختتم كلامه بالتأكيد على أن: «فاتح مدرّس هو فنان استثنائي متعدد الاهتمامات الثقافية، ورائد في مجال التشكيل، ومحدّث في مسار الفن السوري المعاصر، ورسام وفيلسوف وجودي، وموسيقي وأستاذ لأجيال من الفنانين التشكيليين، وكاتب صاحب أسلوب خاص ومميز … أسهمت شخصيته وفنه في تفعيل حضوره على الساحة السورية والعربية، وفي العديد من دول العالم، حيث نقل الفن السوري إلى وجدان المشاهد، بلوحات انتمت إلى روح سورية، وإنسان المنطقة في أعمال تعبيرية شديدة التأثير على المشاهد – الإنسان، ما جعله يؤثر خارج جغرافية وطنه، وينتشر في هذه الصورة».
بشير بشير: المدرس قامة كبيرة
من جانبه رأى الفنان التشكيلي بشير بشير أن فاتح المدرّس: «هو قامة فنية كبيرة غنية عن التعريف، استطاع عبر تجربته الفنية وضع مفاهيم جديدة للحداثة، وكيفية تعبير الفنان عن رؤيته، لينطلق نحو العالمية الإبداعية مجسّداً الواقع المرير بلوحات تعبر عن المعاناة بطريقة خاصة لا تشبه أحداً». وأردف: «برأيي أن فاتح هو فنان وإنسان بكل مقاييس الحياة، لعبت الظروف القاسية التي مرّ بها على صعيد حياته الشخصية دوراً في دفعه نحو الإبداع في فنون عدة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على إثبات وجود مطلق له تجلى عبر إقامة المعارض في دول عربية وعالمية عدة، والأنشطة الثقافية والفكرية التي تخللت ذلك، إلى جانب الجوائز التي نالها، وإبداعه الشعري». ليختتم كلامه بالإشارة إلى: «حضور تجربة فاتح مدرّس الفنية، وتأثيرها في تجارب عدد من الفنانين التشكيليين السوريين الكبار الذين ساروا على نهجها، وحاكوا في أعمالهم أسلوب مدرّس الفني، مما يشي بأهمية هذه التجربة الخاصة والغنية التي أثبتت حضورها ماضياً وحاضراً، وأثّرت في تجربة الأجيال التي عاصرتها، والأجيال اللاحقة».
وفي الختام نستطيع القول إن فاتح المدرّس هو فنان شمولي، أبدع في المحترف التشكيلي السوري، واستطاع عبر لوحاته نقل صورة حداثية عن الفن امتزجت بروح الإنسان، وانتمائه لأرضه وبلاده.

التاريخ:الثلاثاء26-4-2022
رقم العدد :1093

آخر الأخبار
رئيس وزراء ماليزيا يهنِّئ الرئيس الشرع بتشكيل الحكومة ويؤكِّد حرص بلاده على توطيد العلاقات مصير الاعتداءات على سوريا.. هل يحسمها لقاء ترامب نتنياهو غداً إعلام أميركي: إسرائيل تتوغل وتسرق أراض... Middle East Eye: أنقرة لا تريد صراعا مع إسرائيل في سوريا "كهرباء طرطوس".. متابعة الصيانة وإصلاح الشبكة واستقرارها إصلاح عطل محطة عين التنور لمياه الشرب بحمص علاوي لـ"الثورة": العقوبات الأميركية تعرقل المساعدات الأوروبية السّورية لحقوق الإنسان": الاعتداءات الإسرائيليّة على سوريا انتهاك للقانون الدّولي الإنساني سوريا تواجه شبكة معقدة من الضغوط الداخلية والخارجية "اليونيسيف": إغلاق 21 مركزاً صحياً في غزة نتيجة العدوان "ايكونوميست": سياسات ترامب الهوجاء تعصف بالاقتصاد العالمي وقفة احتجاجية في تونس تنديداً بالاعتداءات على غزة وسوريا واليمن رشاقة الحكومة الجديدة والتحالف مع معدلات النمو في حوار مع الدكتور عربش في أولى قراراتها .. وزارة الرياضة تستبعد مدرباً ولاعبتي كرة سلة تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا