الإعلام الغربي بدأ يحذر من أن أوروبا ستواجه خريفاً سياسياً حاراً، وشتاء بارداً مليئاً بالغموض، بسبب غباء النخب السياسية الأوروبية وقصر نظرها الاستراتيجي، وهذا مرده إلى أن الحكومات الأوروبية تتخذ قراراتها المصيرية بعيداً عن مصلحة مواطنيها، وهذا ما يبدو واضحاً من خلال تعاطي تلك الحكومات مع الحرب الأوكرانية، وانخراطها المباشر بالحرب لمصلحة الولايات المتحدة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن الأوروبيين واستقرارهم.
الدول الأوروبية تحاول عبثاً اليوم استعادة عهدها الاستعماري القديم، على ظهر الحروب والأزمات التي تشعلها الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وهي تلعب على وتر اختلال التوازنات الناتج عن الفوضى التي تخلفها سياسة البلطجة الأميركية، وهو ما يعكسه المشهد الراهن في أوكرانيا، وألمانيا وبريطانيا مثال صارخ للحنين الغربي بالعودة إلى تلك الحقبة السوداء في تاريخ البشرية.
في الحالة الألمانية، فإنه مع عودة الحركات اليمينية الألمانية المتشددة إلى الساحة السياسية والعسكرية، في ظل صعود سياسيين وعسكريين يفكرون بعقلية الحقبة النازية، نرى المستشار أولاف شولتس وهو يصارع من أجل حماية النازيين الجدد في أوكرانيا، بعدما كان التردد الألماني في إرسال الأسلحة والعتاد إلى نظام كييف واضحا في بداية الحرب، واليوم يسعى كما قال: لأن تتولى بلاده “مسؤولية خاصة” في دعم وتسليح أوكرانيا، ما يشير إلى أن واشنطن ومعها عواصم أوروبية أخرى، أعطت الضوء الأخضر لألمانيا للقيام بهذا الدور، لطالما أنه سيكون في خدمة النازيين الجدد في أوروبا لمواجهة روسيا.
وفي الحالة البريطانية، لاحظنا حكومة بوريس جونسون وهي تستميت في سبيل دعم النظام النازي في كييف، حتى أن جونسون أشرف بنفسه ذات مرة على التدريبات العسكرية لكتيبة أوزوف النازية التابعة للحرس الوطني الأوكراني، فيما تعهدت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس والمرشحة القوية لزعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة البريطانية، بإرسال المزيد من الأسلحة الفتاكة لأوكرانيا بحال فوزها بالانتخابات المقبلة، وهذا يؤكد أن بريطانيا، إلى جانب ألمانيا وفرنسا أيضاً، يتشبثون بعنادهم لجهة إغلاق باب المفاوضات مع روسيا، والسعي للحسم العسكري على أرض المعركة نزولاً عند الرغبة الأميركية.
من حق الأوروبيين التعبير عن مخاوفهم من غباء نخبهم السياسية، فانجرار تلك النخب وراء السياسة الأميركية يضع الأمن الأوروبي بأكمله على المحك، بعدما تهاوت اقتصادات الدول الأوروبية إلى حافة الكارثة بفعل الارتدادات العكسية للعقوبات.