الملحق الثقافي- رنا بدري سلوم :
أُصاب بذهول حين تصلني دعوة من «وزارة الثقافة» لحضور أمسية قصصية لقاص لم يثبت نفسه بعد ليتم الاحتفاء به على أنه «أديب»، ليغدو بعد الأمسية مادة دسمة تلوكها ألسنة الحضور من نقاد وإعلاميين ومتابعين للشأن الثقافي، فلماذا العفويّة في تقديم هذه الطروحات التي يجب أن يقدّم لها نقدٌ بناء لترتقي؟ وماهية فوضى الملتقيات التي تقيمها المراكز الثقافية والمنابر الإبداعية التي تحتفي بنفسها فتسوّق على أنها من جهة «مسؤولة» لتقدم نتاجها مواهب لم يسمع بها، ومشاريع كتّاب هدفهم الوصول والحصول على شهادات فخريّة؟ إذا أين نحن اليوم من هذا المشهد الثقافي الملوّث والذي يعيش فوضى عارمة في التقييم والأداء؟ وماذا عن عالمنا الأزرق الذي صنع في يوم وليلة شاعرةً وأديباً ؟.
تلوثٌ ثقافي
يجد عضو اتحاد الكتاب العرب الناقد الدكتور عبدالله الشاهر أن السلوكيات الثقافية تتحرك بنتاجات فكريّة متضاربة ومتعارضة من الناحية الفكريّة ومتداخلة في وسطها الثقافي بين الجيد والرديء وهذا أمر طبيعيّ تقع فيه الثقافات التي تعيش حالة من التوهان بين الماضي والحاضر، وفي هذا الجانب فإن المؤسسات الثقافية في سورية استطاعت أن تهيء صروحاً من الأبنية الثقافية، لكنّها لم تحسن الأداء الثقافي فبقيت دور الثقافة تقتصر على نشاطات خجولة في الأداء وفي الحضور وهنا يفترض إعادة النظر في كيفية تفعيل هذه المراكز الثقافية، يوافقه الرأي الشاعر عباس حيروقة الذي يجد أن التشوهات الحاصلة في المشهد الثقافي بدأ منذ عقود طويلة كإقصاء المثقف الحقيقي على حساب التطبيل والتزمير لتجارب هشّة هلامية فمن الطبيعي أن يصل المشهد الثقافي إلى ما هو الآن، ويذكر حيروقة على سبيل الذكر وليس الحصر سبب من أسباب هذه التشوهات أهمها وضع الإنسان المناسب بالمكان المناسب من القائمين على المنابر الثقافية، التي هي في حد كبير يديرونها وبرأيه الجهلة الذين لا يميزون بين المبدع والمدّعي، فيصفقون له في النهاية، لأنهم لا يملكون التمييز بين الغث والثمين، فيكون التقييم النهائي منوطاً بوعيهم الجمالي والإبداعي، يصفقون للشكل لا للمضمون والجوهر.
المثقف ابن بيئته
هناك ثقافتان متصاعدتان في الساحة الثقافية السورية وفقاً للدكتور عبدالله ،الأولى الثقافة الماضوية والثانية الثقافة العصرية الواقعية، ولا نلمح أثراً يذكر لثقافة المستقبل أو النظرة إليه وهذا مؤشر خطر في حياتنا الثقافية بعامة، الأمر الآخر في المشهد الثقافي السوري مازلنا لم نسال أنفسنا وإلى يومنا هذا من نحن وماذا نريد، هل نريد ثقافة وطنيّة أم ثقافة قوميّة أم اسلاموية، وهذه إشكالية في العقل الثقافي العربي عامة، كذلك في المشهد الثقافي العربي يجب فهم وضبط المصطلحات وتباين العلاقة بين العرب والعروبة والإسلام حتى نقع على أرضية واضحة الملامح، شديدة الصلابة قادرة على تحقيق الانطلاقة الواعدة.
فالمشهد الثقافي لا يختلف عن المشهد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لأنها منظومة متكاملة، فلا يمكن فصل المثقف عن مجتمعه وواقعه، برأي عضو اتحاد الكتاب العرب الشاعر عبّاس حيروقة فهناك تخبط في المشهد الثقافي حدّ العجز إلا إذا استثنينا حالات نادرة من شأنها النهوض بالثقافة، إنها مفرزات الحرب فكما أفرزت طبقة طفيلية سياسية مجتمعية عملت على بناء حالة مادية غير مشروع لها، وبناء أبراج على حساب البسطاء والشهداء كذلك، طفت طبقة طفيلية ثقافية حاولت بناء أمجاد لها ونلاحظ أنها لا تستطيع أن تقاوم هبوب الريح أوأشعة الشمس.
ملتقيات عفويّة الأداء
في الجانب الآخر بروز ظاهرة الملتقيات الثقافية التي وبرأي الدكتور الناقد عبدالله الشاهر أخذت تتسع وإن هذه الملتقيات قد غطّت جانباً وإن هناك تحفظاً على النتاجات لكن هذه الملتقيات كان يفترض أن توضع تحت رعاية كي لا تقع في عفوية الأداء واللافت للنظر أن هذه الملتقيات أصبحت تصدر وثائق مثل شهادة تقدير أو شهادة تميز أو إبداع لحالات ثقافية لا ترقى إلى مستوى المنح وهذا يؤدي إلى شيء من التشويه، فبعض الذين منحوا مثل هذه الشهادات قد لا يمتلكون مؤهلات القصيدة أو القصة أو الخ والأكثر فداحة منح دكتوراه شرف دكتوراه تقديرية وهذا تسفيه لمقام هذه الشهادة وللعلم أن الدكتوراه الفخرية لا تمنح إلا بشروط وهذه الشروط فيها من القساوة أكثر مما يتصوره المانحون، مطالباً الدكتور عبدالله الشاهر أن يتم حصر هذه العطايا بحالات تستحق وأن توضع معايير لذلك لا أن تأتي نتيجة رغبة أو علاقة أو استحسان،
في وقت تطرّق الشاعر عباس حيروقة إلى هذه الملتقيات بتقرير عنوانه :» الملتقيات الأدبية بين التردي والارتقاء» تحدث فيه بدءاً من دور الملتقيات النهضوية الثقافية المجتمعية في مطلع العشرينات، وصولاً إلى رموز الفكر في دمشق وحلب والنهوض بالوعي المجتمعي، مشيراً إلى تجارب الملتقيات الثقافية المهمة في سورية « شام وقلم والثلاثاء الثقافي « التي عززت الثقافة المسؤولة، أما ملتقيات مفرزات الأزمة ينظر إلى نتاجهم كخواء، رغم التغير الكبير في الذائقة المجتمعية المشوهة التي باتت على حساب النتاج الأدبي الثقافي الأصيل بحسب حيروقة.
شهادات فخريّة
الصفات والألقاب والشهادات الفخريّة الالكترونيّة التي يمنحونها الأدعياء للأدعياء من ذات المقام هي المتفشية والمتغلغلة في المشهد الثقافي، وإن ما نراه خواء داخلياً وعقداً نفسيّة اجتماعيّة وتخبّطاً كبيراً يتصدّر المشهد الثقافي وفقاً للزميل عباس حيروقة، الذي يوضح أن الملتقيات الأدبية تجوب المراكز الثقافية، والملتقيات الافتراضية والفيسبوكية والواقعية تجوب المراكز أيضاً، وذلك لهشاشة في القائمين على المنابر الثقافية الذين لا يقيّمون التجارب يعملون على تقديمهم لألقاب يختارونها، وبرأيه الشاعر الحقيقي لا يحتاج لألقاب أكاديمية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي التي «أصبحت وكما يراها الدكتور عبدالله منصّة لكلّ من لديه رغبة في الكتابة دون مراعاة للموهبة أو اللغة أو حتى الشكل الأدبي وهذا الأمر يوهم الآخر بأنه أصبح أديباً مهماً، مؤكداً بأنه شخصياً يعتبر أن ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي غالبيته لا ينتمي إلى الأجناس الأدبية وهو شكل استعراضي بقصد الذيوع».
مطالبات لابدّ منها
إن المشهد الثقافي في سورية يحتاج إلى نظرة فاحصة ولدينا في ذلك فعاليات ثقافية واعية رغم ضبابية المشهد وطموحنا أن تتضح الصورة من خلال رؤية مؤسساتية قادرة على وضع أسس تقودنا إلى ثقافة مسؤولة وفقاً لما طالب به الناقد الدكتور عبدالله الشاهر، مضيفاً هناك الكثير من الصعوبات التي تواجه المشهد الثقافي وأنا ذكرت البعض منها ولدينا الكثير في سورية من الأصوات التي تحمل الغيرية على الثقافة، يوافقه الرأي الشاعر عباس حيروقة ويؤكد دور وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب في تطهير وتجذيب المشهد الثقافي من خلال وضع معايير صارمة، لأن الإبداع الحقيقي هو المعيار الأهم لوصل المبدع إلى المكان الذي يليق بإبداعه .
العدد 1111 – 13- 9-2022